وتعالج آية أخرى من هذا الربع بالوصف والبيان، حالة الإنسان الكامل الذي أكرمه الله بقوة الإيمان بحيث لا تأخذه سنة الغفلة والنسيان، فهو قانت خاشع، معلق قلبه بين الخوف والرجاء، إذا خاف فإنه لا يخاف شيئا إلا عذاب الله، وإذا رجا فإنه لا يرجو أحدا وإنما يرجو رحمة الله، وذلك قوله تعالى : أمن هو قانت -آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ، وأدرجت الآية ( -آناء الليل )، في هذا المقام بالخصوص وهو مقام الذكر والفكر، لأن ساعات الليل في الواقع هي أصلح الأوقات لسكون النفس، وطمأنينة القلب، وتركيز الفكر في مناجاة الرب، وهي أبرك اللحظات للتأمل في جلال الكون وجماله، وإدراك قدرة المكون وكماله. وكما ذكرت -آناء الليل ، في هذه الآية تنويها بقدرها، وإشارة إلى خفي سرها، فقد ذكرت مرة أخرى في قوله تعالى ( ١١٣ : ٣ ) : ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون .
وحيث أن أسمى غاية للعلم والمعرفة بالنسبة للإنسان هي الوصول إلى " الحقيقة الأولى " التي هي مصدر النور ومنبع الحياة، وربط الاتصال بها قلبا وقالبا، جاء كتاب الله ينوه بها، ويلفت النظر إليها، معتبرا أن كل علم لا يؤدي إليها، ولا يصل بصاحبه إلى إدراكها، إنما هو نوع من الجهل، بل هو " الجهل المركب الغليظ "، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، في أعقاب قوله تعالى : ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، فمن لا يرجو الله ولا يخافه معدود بين الجهلاء، وإن كان عند نفسه وعند الناس من العلماء.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري