والإماتة المرة بعد المرة في سياق استشعارهم بالندم والتماسهم الوسيلة للخروج من ورطتهم في رجعة ثانية إلى الدنيا هي في قدرته مما تضمنت آيات أخرى حكايته عن لسانهم منها الآية [٥٨] من السورة السابقة التي تقول:
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وآية سورة فاطر هذه: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧).
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٣ الى ١٧]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)
. (١) رزقا: هنا بمعنى الماء على اعتبار ما يكون من أثر المطر في تيسير الرزق.
(٢) الروح: هنا كناية عن الوحي الرباني.
(٣) يوم التلاق: يوم الاجتماع وهو كناية عن يوم القيامة.
الآيات كما هو المتبادر استمرار وتعقيب للآيات السابقة في إنذار الكفار والتنويه بالمؤمنين وبيان أهوال يوم القيامة ومهمة الرسول في تنبيه الناس وإنذارهم. وقد احتوت تنويها بمشاهد قدرة الله وعظمته ونعمته بسبيل التدليل على قدرته على تحقيق وعده ووعيده. وأسلوبها قوي رائع، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر.
تعليق على جملة وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)
وجملة وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) في الآية الأولى من هذه الآيات تضمنت تقرير كون الذين يرغبون في الحق والإنابة إلى الله هم وحدهم الذين يفهمون آياته ويشعرون بعظمة كونه ويؤمنون به حينما يدعون ويذكرون وهي مقابل جملة ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا في الآية الرابعة من السورة حيث انطوى فيها كذلك معنى محكم يصح أن يزال على ضوئه إشكال ما يرد مطلقا في آيات أخرى.
تعليق على آية فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)
وفي الآية [١٤] تكرار للأوامر الربانية التي تكررت في السورة السابقة بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له مع زيادة ذات مغزى وهي حث النبي ﷺ والمؤمنين على ذلك ولو أغاظ الكفار وكرهوه. حيث قد يفيد هذا أن الأوامر الربانية الأولى قد أغاظت الكفار وجعلتهم ييأسون من تراجع النبي ﷺ عن موقفه تجاه شركهم وتقاليدهم. وحيث قد يكون قرينة أخرى على صحة ترتيب نزول هذه السورة بعد السورة السابقة.
ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول دبر كلّ صلاة حين يسلّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير لا حول ولا قوة إلّا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلّا إيّاه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وكان يقول: إنّ رسول الله ﷺ كان يهلّل بهذه الكلمات دبر كلّ صلاة. حيث ينطوي في الحديث صورة من صور التعليم النبوي المستلهم من الآيات القرآنية بسبيل إعلان الإخلاص له وحده.
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة