في بداية هذا الربع يعرض القرآن الكريم على أنظار المشركين الذين لا يزالون متمسكين بمعتقدات الجاهلية الأولى ومن ماثلهم نبذة من أحوال الأمم الغابرة، مبينا بعض ما جرى لها من مجريات، ونزل بها من أحداث، وخاصة ما دار في ديارها من صراع عنيف بين دعوة الأنبياء والرسل الذين أرسلوا لهدايتها، ودعاية المتكبرين، والجبارين الضالين، الذين أضلوها وأصروا على التحكم في مصيرها.
وفي نفس الوقت يحض كتاب الله كل باحث عن الحق، متطلع إلى معرفة الحقيقة في أمر النبوات والرسالات، على أن يسير في أرض الله باحثا منقبا لاستكشاف آثار الأمم الغابرة، ومشاهدة البقية الباقية من حضارتها الذاهبة، ففي ذلك العبرة البالغة، والدليل القاطع، على المصير المظلم الذي ينتظر الضالين، والنهاية المخزية التي تصيب الكافرين، وذلك قوله تعالى : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق( ٢١ ) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله، إنه قوي شديد العقاب( ٢٢ ) ، ففي هذه الآية وما ماثلها بين الحق سبحانه وتعالى ما أصاب الأمم الغابرة، والحضارات القديمة، من التلاشي والزوال، وما نزل بساحتها من الدمار والاضمحلال، ويؤكد كتاب الله أن أكبر سبب للدمار الذي أصابها، والاضمحلال الذي نزل بها، هو أنها سلكت طريقا مضادا من كل الوجوه، للتوجيه الإلهي الرشيد، الذي جاء به الأنبياء والرسل، ولم تتبع سنة الله التي رسمها لصلاح الخلق ورشادهم في هذه الدنيا، فانقلبت قوتها القاهرة، إلى ضعف وفناء، وأصبحت آثارها الباهرة، عبارة عن أطلال وأشلاء، رغم كل ما بذلته في سبيلها من المال والجهد والعناء، وكانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض، فأخذهم الله بذنوبهم .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري