... الحق سبحانه يريد من سيْرنا في الأرض أمرين: سياحة في الأرض للاعتبار وأخذ العظة، وسياحة الانتفاع والاستثمار، إذن: فالسياحة في الأرض والسير فيها مطلوب إيماني، لذلك قال تعالى في سياحة الاعتبار: أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ وقال في سياحة الاستثمار: قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.. [العنكبوت: ٢٠].
وقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا.. [النساء: ٩٧].
إذن: لا مانع أن تجمع في سَيْرك في أرض الله بين سياحة الاعتبار وسياحة الاستثمار والانتفاع، فلا تحرم نفسك من نظرة الاعتبار في خَلْق الله الجديد عليك، ولا تُلهِكَ التجارة والاستثمار عن الاعتبار.
وهنا ملحظ في قوله تعالى: فِي الأَرْضِ.. هذا الملحظ أخذناه من العلم الحديث أخيراً، فقد كان العلماء يفسرون فِي الأَرْضِ.. على الأرض أي: الأرض والتربة التي نمشي عليها، إلى أن عرفنا مؤخراً أن الأرض تشمل غلافها الجوي، فهذا الهواء الذي فوق الأرض هو العنصر الأساسي والضروري لاستمرار الحياة عليها، وبدونه لا تكون على الأرض حياة، لأن الإنسان لا يستغني عنه بمقدار شهيق أو زفير، وعليه فنحن نسير في الأرض كما جاء نصّ القرآن الذي سبق العلم الحديث إلى هذه الحقيقة.
وحين تسير في أرض الله للاعتبار بمخلوقات الله ترى ألواناً شتى لم تَرَها من قبل من الناس والأماكن والمزروعات والنعم التي لا تُحصى، وتعلم أن الخالق سبحانه يعطي لكل مكان ما يناسبه، ولكل بيئة ما يصلح لها من الغذاء...
تفسير الشعراوي
الشعراوي