يوم تولون مدبرين بدل من يوم التناد، قال مجاهد يعني فارين غير معجزين، قيل المراد منه يوم ينفخ في الصور نفخة الفزع.
قبل نفخة الصعق لما روى ابن جرير في المطولات وأبو يعلى في مسنده والبيهقي في البعث وعبد بن حميد حميد وأبو الشيخ في كتاب العظمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا وذكر فيه ثلاث نفخات : قال :" فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى.
فيقول الله تعالى انفخ نفخة الفزع فينفخ فيفزع أهل السماوات والأرض إلا ما شاء الله فيأمره فيمدها فيطيلها ولا يفتر إلى أن قال فتذهل المراضع عما أرضعت وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتتلقتها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولى الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله يوم التناد " الحديث.
وقيل المراد يوم لقيامة إذا دعي كل أناس بإمامهم أخرج أبو نعيم عن أبي حازم الأعرج رضي الله عنه أنه قال يخاطب نفسه يا أعرج ينادي يوم القيامة يا أهل خطيات كذا كذا فتقوم معهم ثم ينادي يا أهل خطيات أخرى فتقوم معهم فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل خطيئة، وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم خصماء الله وهم القدرية وإذا ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار وأصحاب النار أصحاب الجنة وينادي أصحاب الأعراف كما حكى الله تعالى في سورة الأعراف وإذا ينادي بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان ابن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا " أخرج البزار والبيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كتفي الميزان ويوكل به ملك فإن ثقلت موازينه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خفت موازينه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وإذا ينادي ألا إني جعلت نبيا وجعلتم نسبا " أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتقون، وإذا ينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت " أخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادي يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم وأهل النار حزنا إلى حزنهم " ١ وعم أبي سعيد نحوه وعند الحاكم وابن حبان عن أبي هريرة نحوه.
وقرأ ابن عباس والضحاك يوم التناد بتشديد الدال أي يوم التنافر وذلك لأنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها، أخرج ابن جرير وابن المبارك عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها فتكون الملائكة على حافتها حين يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فصفوا صفا دون صف ثم ينزل الملك الأعلى بجنبته اليسرى جهنم فإذا رآها أهل الأرض ندوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فرجعوا إلى المكان الذي كانوا فيه، وذلك قول الله تعالى : إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم .
وذلك قوله تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم ٢ وقوله تعالى :" يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا }٣ وقوله تعالى : وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ٤ يعني ما تشقق منها فبينما كذلك إذا سمعوا الصوت فأقبلوا إلى الحساب، وقيل معنى قوله تعالى يوم تولون مدبرين يوم تولون منصرفين عن موقف الحساب إلى النار مالكم من الله من عاصم يعصمكم من عذابه يعني غير الله لا يقدر على دفع عذاب الله قطعا وإنما يدفع عذاب الله رحمته ولا يكون لهم من الله رحمة تعصمهم من عذابه ومن يضلل الله أي يضله عن طريق الجنة فما له من هاد إليه.
٢ سورة الفجر، الآية: ٢٢..
٣ سورة الرحمان، الآية: ٣٣..
٤ سورة الحاقة، الآية: ١٦ _ ١٧..
التفسير المظهري
المظهري