ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

نعم ما دامت الآخرة هي دار القرار والمستقر فلابدّ من الرجوع إليَّ والوقوف بين يديّ أُجازي كُلاًّ بعمله، وأنا لستُ جباراً عليكم إنما أنا رحيم بكم أجازي السيئة بمثلها، أو أغفر وأضاعف الحسنة أضعافاً كثيرة.
والوقفة هنا عند قوله تعالى: وَهُوَ مُؤْمِنٌ فهذا الشرط لا يمنع غير المؤمنين من فعل الخير والعمل الصالح، وقد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
والكافر حين يفعل الخير يأخذ حظه منه في الدنيا، لا نصيبَ له في ثواب الآخرة، يأخذه في الدنيا شهرةً وصيتاً وسُمعة طيبة على ألسنة الناس، يأخذه في صورة تكريم واحتفال، ألاَ تراهم يقيمون لهم التماثيل ويُخلِّدون ذكراهم.. إلخ.
إذن: أخذوا حظهم في الدنيا، لذلك يقول تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
تأمل وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. [النور: ٣٩] يعني: فوجئ به لأنه لم يكُنْ في باله في الدنيا وما عمل من أجله قطّ، ومعلومٌ أن الإنسان يأخذ أجره ممَّنْ عمل له.
وقد سُئِلْنا في هذه المسألة في سان فرانسيسكو: أيضيع أجر الكافر الذي عمل الخير في الدنيا؟ قلت: أعملَ للخير لله أم للإنسانية ورُقيِّها؟ قالوا: عمل للإنسانية ورُقيِّها وخدمتها، قلت: فليأخذ أجره منها وقد أخذه شهرة وصيتاً وتخليداً، قال تعالى: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
لذلك نقول: إن الكافرين الذين عملوا لرقي المجتمع وتقدمه نحن ننتفع بأعمالهم ومخترعاتهم ومكتشفاتهم، بل ونطوعها لخدمة الإيمان والدعوة إلى الله، فهذا المسجِّل وهذا الميكرفون وغيرها ثمرة جهدهم، لكن لا حَظَّ لهم في ثوابه، لذلك نقول: إن هؤلاء خُدَّام حَرْف واحد من حروف القرآن، ما هو؟ هو السين في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ [فصلت: ٥٣].
فهم يتعبون ويعيشون حياة قاسية في تقشُّف ليتفرغوا للبحث والدراسة للوصول إلى سِرٍّ من أسرار الله في كونه، وفي النهاية ينتفع الناس بأعمالهم، ويُحْرمون هم ثواب هذا العمل.
وقوله: فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ الرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مجرد المال كما يظن البعض، فالعافية رزق، والسلامة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، كلُّ ما تنتفع به رزقٌ لك بِغَيْرِ حِسَابٍ كلمة حساب تعني: أنك تحسب للشيء حساباً على قدره.
أما في الآخرة فالرزق فيها بغير حساب، أي: بغير حساب من أحد لأن المعطي الرازق هو الله، والله حين يعطيك لا يعطيك على قدر عملك، إنما يعطيك على قدره هو سبحانه.
وحين يأتيك الخير غير المظنون تقول: لم أكُنْ أعمل له حساباً، فمعنى بِغَيْرِ حِسَابٍ يعني: طلاقة قدرة في العطاء، قدرة تعطى للمعطي بلا حساب مُسبَّب منه، وبلا حساب على قدرك، فالمسألة إذن واسعة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير