ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

الظالمين : المنحرفين المجرمين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:في الآيات توكيد بأن الله سينصر رسله والذين آمنوا معهم في الحياة الدنيا أولا ثم في الآخرة حيث لا ينفع الظالمين المجرمين ما سوف يقدمونه من أعذار وتدمغهم شهادة الشهود وتحق عليهم لعنة الله وخزيه وينزلون أسوأ المنازل. وإشارة إلى ما كان من هدى الله وفضله على موسى وبني إسرائيل ليكون في ذلك هدى وذكرى لأولي العقول السليمة. وقد انطوى في هذه الإشارة على ما هو المتبادر قصد التدليل على نصر الله وفضله لرسله والمؤمنين في الحياة الدنيا.
وقد التفتت الآية الأخيرة في خطابها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرته بالصبر وطمأنته بتحقيق وعد الله الحق بالنصر والتأييد، وأمرته بالثبات في موقفه متكلا على الله مستغفرا لذنبه مسبحا بحمد ربه صبحا ومساء.
تعليق على جملة
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا
والآيات استمرار للتعقيب على الفصل القصصي كما هو واضح. وقد استهدفت تطمين النبي والمؤمنين وتثبيتهم وبعث الأمل والوثوق في نفوسهم إزاء ما يقولونه من عنت الكفار وبغيهم. ولقد سبق تطمين قوي مثل هذا التطمين في سورة الصافات التي نزلت قبل قليل من هذه السورة ؛ حيث يمكن القول إن ظروف السيرة في مكة كانت تقتضي مواصلة ذلك. وإنه كان من عوامل ما كان يبدو من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الأولين من قوة وثبات وجرأة ويقين واستغراق في الله ودينه ودعوته. ونكرر هنا ما قلناه قبل من أن الله تعالى قد حقق وعده للنبي والمؤمنين فعلا فنصرهم الله وصارت كلمته هي العليا وتحققت بذلك المعجزة القرآنية.
ومع خصوصية هذا التطمين وصلته بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن في إطلاق العبارة القرآنية تلقينا جليلا مستمر المدى يستمد منه كل مؤمن يدعو إلى الله ودينه ومبادئه السامية، ويناضل في سبيلها اليقين والقوة والجرأة ويجعله يستبشر بنصر الله وتأييده إذا ما كانت دعوته ونضاله بصدق وإخلاص.
تعليق على جملة
واستغفر لذنبك
هذه الجملة في الآية [ ٥٥ ] هي أولى المرات التي يؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها بالاستغفار لذنبه، وهناك آيات من بابها في سور أخرى.
ولقد تعددت تخريجات المفسرين لهذه الجملة١ منها أنه خاطب بذلك لتستن أمته بسنته. ومنها أنها بمعنى استغفر لذنوب أهل بيتك، ومنها أن اشتغاله بأمر الناس كان يشغله عن التفرغ لعبادة الله فكان هذا عنده تقصيرا أو ذنبا من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولقد أورد المفسرون حديثا جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة )٢. وفسروا الغين بالغيم الرقيق الذي يغشى السماء، وفسروه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفترات والغفلات، فكان يعتبر ذلك ذنبا نحو الله تعالى ويستغفره منه، وهذا أوجه التخريجات. ولقد خطر ببالنا تخريج آخر نرجو أن يكون صوابا. وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أحيانا يأمر بشيء أو ينهى عن شيء، أو يفعل شيئا اجتهادا منه بغير وحي ويكون ذلك أحيانا غير الأولى في علم الله ويعاتب عليه في القرآن مما مر منه بعض الأمثلة فكان يستغفر الله تعالى ويؤمر بالاستغفار لنفسه من مثل ذلك. ومن هذا الباب آيات سورة النساء هذه : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ( ١٠٥ ) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ( ١٠٦ ) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما( ١٠٧ ) وليس هذا ولا ما ورد في التخريج السابق من الغين ذنبا فيه تقصير في حق الله تعالى أو انحراف عن أوامره مما يجب الاعتقاد بعصمته منه صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالإضافة إلى الحديث السابق أورد المفسرون أحاديث عديدة في صدد استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه فيها حديث عن أبي هريرة جاء فيه :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة. وفي رواية أكثر من سبعين مرة )٣. وحديث عن ابن عمر قال :( إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قوله رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم )٤. وحديث جاء فيه :( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في آخر الصلاة : اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت )٥. وحديث جاء فيه :( يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة )٦. وحديث جاء فيه :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطيئتي وعمدي وكل ذلك عندي ). حيث ينطوي في كل هذا صورة رائعة لعمق شعور النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعظم مسؤوليته نحو الله عز وجل وعظم خوفه من أن يكون قد أتى في حالة من حالاته ما لا ينبغي أن يصدر عنه.
هذا، وجملة وأورثنا بني إسرائيل الكتاب( ٥٣ ) يجب أن تؤخذ على أنها في صدد ما خلفه موسى عليه السلام في بني إسرائيل أو سلمه إليهم من المدونات التي فيها شرائع الله وتبليغاته والتي ذكرنا خبرها في سياق تفسير سورة الأعراف استنادا إلى آيات القرآن من ناحية، وبعض نصوص ما هو متداول في الأيدي اليوم من أسفار من ناحية أخرى وحسب، وليست في صدد تقرير اقتصاد إرث كتاب الله عليهم لأن المسلمين قد أورثوا كتاب الله تعالى بدورهم. ولا في صدد كون ذلك شاملا جميع ما في أيديهم من أسفار ؛ لأنها مكتوبة بأقلام بشرية في أزمنة مختلفة فيها الغث والسمين والمناقضات والمبالغات وما تنزه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عنه من أوامر وتبليغات وإن كان يجوز أن يكون فيها بعض ما بلغه الله لموسى وغيره من أنبيائه وبلغوه بدورهم لبني إسرائيل، والله تعالى أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير