فَالَّذِينَ (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) هُمُ (الَّذِينَ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، وَهُمُ الَّذِينَ (حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، وَالَّذِينَ رَأَوْا بَأْسَ اللَّهِ، فَمَا بِنَا إِلَّا أَنْ نُبَيِّنَ مَعْنَى فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
فَالْفَرَحُ هُنَا مُكَنَّى بِهِ عَنْ آثَارِهِ وَهِيَ الِازْدِهَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ [الْقَصَص: ٧٦] أَيْ بِمَا أَنْتَ فِيهِ مُكَنًّى بِهِ هُنَا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ جَادَلُوا الرُّسُلَ وَكَابَرُوا الْأَدِلَّةَ وَأَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ. وَمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ هُوَ مُعْتَقَدَاتُهُمُ الْمَوْرُوثَةُ عَنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ مِنْ أَسْلَافِهِمْ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا لِرُسُلِهِمْ: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ اهـ. وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ تَهَكُّمٌ وَجَرْيٌ عَلَى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ وَإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ:
فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهْلِهِمْ يَعْنِي فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الْأَنْعَام: ١٤٨].
وَحَاقَ بِهِمْ: أَحَاطَ، يُقَالُ: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقًا، إِذَا أَحَاطَ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي لَا تَنْفِيسَ بِهَا لِأَنَّ الْمُحِيطَ بِشَيْءٍ لَا يَدْعُ لَهُ مَفْرَجًا.
وَمَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ وَالْعَذَابُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ رُسُلَهُمْ أوعدوهم بِالْعَذَابِ فاستهزؤوا بِالْعَذَابِ، أَيْ بِوُقُوعِهِ وَفِي ذِكْرِ فِعْلِ الْكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِوَعِيدِ الرُّسُلِ كَانَ شِنْشَنَةً لَهُمْ، وَفِي الْإِتْيَان ب يَسْتَهْزِؤُنَ مُضَارِعًا إِفَادَةٌ لِتَكَرُّرِ اسْتِهْزَائِهِمْ.
[٨٤- ٨٥]
[سُورَة غَافِر (٤٠) : الْآيَات ٨٤ الى ٨٥]
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
مَوْقِعُ جُمْلَةِ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [غَافِر:
٨٣] كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ [غَافِر: ٨٢] لِأَنَّ إِفَادَةَ (لَمَّا) مَعْنَى التَّوْقِيتِ يُثِيرُ مَعْنَى تَوْقِيتِ انْتِهَاءِ مَا قَبْلَهَا، أَيْ دَامَ دُعَاءُ الرُّسُلِ إِيَّاهُمْ وَدَامَ
تَكْذِيبُهُمْ وَاسْتِهْزَاؤُهُمْ إِلَى أَنْ رَأَوْا بأسنا فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
وَالْبَأْسُ: الشِّدَّةُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ جَامِعٌ لِأَصْنَافِ الْعَذَابِ كَقَوْلِه تَعَالَى: فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا [الْأَنْعَام: ٤٢، ٤٣] فَذَلِكَ الْبَأْسُ بِمَعْنَى الْبَأْسَاءِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: تَضَرَّعُوا وَهُوَ هُنَا يَقُولُ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا فَالْبَأْسُ هُنَا الْعَذَابُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ الْمُنْذِرُ بِالْفَنَاءِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْهُ عَلِمُوا أَنَّهُ الْعَذَابُ الَّذِي أُنْذِرُوهُ. وَفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، أَيْ حِينَ شَاهَدُوا الْعَذَابَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِيمَانُ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ الْإِيمَانَ عِنْدَ نُزُولِ عَذَابِهِ.
وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ، إِلَى قَوْلِهِ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ لِدَلَالَةِ فِعْلِ الْكَوْنِ عَلَى أَنَّ خَبَرَهُ مُقَرَّرُ الثُّبُوتِ لِاسْمِهِ، فَلَمَّا أُرِيدَ نَفْيُ ثُبُوتِ النَّفْعِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ اجْتَلَبَ لِذَلِكَ نَفْيَ فِعْلِ الْكَوْنِ الَّذِي خَبَرُهُ يَنْفَعُهُمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِيمَانَ بَعْدَ رُؤْيَةِ بَوَارِقِ الْعَذَابِ لَا يُفِيدُ صَاحِبَهُ مِثْلَ الْإِيمَانِ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ وَمِثْلَ الْإِيمَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا عَقِبَهُ.
سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ انتصب سُنَّتَ اللَّهِ عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطلق لِأَن سُنَّتَ اسْمُ مَصْدَرِ السَّنِّ، وَهُوَ آتٍ بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا لِسُؤَالِ من يسْأَل لماذَا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْإِيمَانُ وَقَدْ آمَنُوا، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ أَعْلَمَهُمْ بِهِ وَشَرَطَهُ عَلَيْهِمْ فَهِيَ قَدِيمَةٌ فِي عِبَادِهِ لَا يَنْفَعُ الْكَافِرَ الْإِيمَانُ إِلَّا قَبْلَ ظُهُورِ الْبَأْسِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ قَالَ تَعَالَى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [يُونُس: ٩٨].
وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي الْبَأْسِ بِمَعْنَى الْعِقَابِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ وَالَّذِي هُوَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ، فَأَمَّا الْبَأْسُ الَّذِي هُوَ مُعْتَادٌ وَالَّذِي هُوَ آيَةٌ خَفِيَّةٌ مِثْلُ عَذَابِ بَأْسِ السَّيْفِ الَّذِي نَصَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَإِنَّ مَنْ يُؤْمِنُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حِينَ رَأَى جَيْشَ
الْفَتْحِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُ مِثْلَ إِيمَانِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْفَتْحِ بَعْدَ رَفْعِ السَّيْفِ عَنْهُمْ، فَإِيمَانُهُ كَامِلٌ مِثْلَ إِيمَانِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ.
وَوَجْهُ عَدَمِ قَبُولِ الْإِيمَانِ عِنْدَ حُلُولِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ وَقَبُولِ الْإِيمَانِ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِ السَّيْفِ أَنَّ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ مُشَارَفَةٌ لِلْهَلَاكِ وَالْخُرُوجِ مِنْ عَالَمِ الدُّنْيَا فَإِيقَاعُ الْإِيمَانِ عِنْدَهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصِدُ مِنْ إِيجَابِ الْإِيمَانِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ حِزْبًا وَأَنْصَارًا لِدِينِهِ وَأَنْصَارًا لِرُسُلِهِ، وَمَاذَا يُغْنِي إِيمَانُ قَوْمٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا رَمَقٌ ضَعِيفٌ مِنْ حَيَاةٍ، فَإِيمَانُهُمْ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ اعْتِرَافِ أَهِلِ الْحَشْرِ بِذُنُوبِهِمْ وَلَيْسَتْ سَاعَةَ عَمَلٍ، قَالَ تَعَالَى فِي شَأْن فِرْعَوْن:
إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يُونُس: ٩٠، ٩١]، أَيْ فَلَمْ يَبْقَ وَقْتٌ لِاسْتِدْرَاكِ عِصْيَانِهِ وَإِفْسَادِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [الْأَنْعَام: ١٥٨] فَأَشَارَ قَوْلُهُ: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً إِلَى حِكْمَةِ عَدَمِ انْتِفَاعِ أَحَدٍ بِإِيمَانِهِ سَاعَتَئِذٍ. وَإِنَّمَا كَانَ مَا حَلَّ بِقَوْمِ يُونُسَ حَالًا وَسِيطًا بَيْنَ ظُهُورِ الْبَأْسِ وَبَيْنَ الشُّعُورِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَلَاقَاتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ.
وَجُمْلَةُ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ كَالْفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، وَبِذَلِكَ آذَنَتْ بِانْتِهَاءِ الْغَرَضِ مِنَ السُّورَةِ. وهُنالِكَ اسْمُ إِشَارَةٍ إِلَى مَكَانٍ، اسْتُعِيرَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الزَّمَانِ، أَيْ خَسِرُوا وَقْتَ رُؤْيَتِهِمْ بَأْسَنَا إِذِ انْقَضَتْ حَيَاتُهُمْ وَسُلْطَانُهُمْ وَصَارُوا إِلَى تَرَقُّبِ عَذَابٍ خَالِدٍ مُسْتَقْبَلٍ.
وَالْعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [غَافِر: ٢١] إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْكافِرُونَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ خُسْرَانِهِمْ هُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ وَذَلِكَ إِعْذَارٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ.
أُسْلُوبُ سُورَةِ غَافِرٍ
أُسْلُوبُهَا أُسْلُوبُ الْمُحَاجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِبْطَالِ ضَلَالَةِ الْمُكَذِّبِينَ وَضَرْبِ مَثَلِهِمْ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، وَتَرْهِيبِهِمْ مِنَ التَّمَادِي فِي ضَلَالِهِمْ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي التَّبَصُّرِ لِيَهْتَدُوا. وَافْتُتِحَتْ بِالْحَرْفَيْنِ الْمُقَطَّعَيْنِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ لِأَنَّ أَوَّلَ أَغْرَاضِهَا أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَفِي حَرْفَيِ الْهِجَاءِ رَمْزٌ إِلَى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بَعْدَ أَنْ تَحَدَّاهُمْ، لِذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلُوا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَاتِحَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَفِي ذَلِكَ الِافْتِتَاحِ تَشْوِيقٌ إِلَى تَطَلُّعِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
وَكَانَ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَى اسْمِ مُنَزِّلِ الْقُرْآنِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ كَلَامُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى تَيْسِيرِ إِقْلَاعِهِمْ عَنِ الْكُفْرِ، وَتَرْهِيبٌ مِنَ الْعِقَابِ عَلَى الْإِصْرَارِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ. ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنَ الْإِيمَاءِ وَالرَّمْزِ إِلَى صَرِيحِ وَصْفِ ضَلَالِ الْمُعَانِدِينَ وَتَنْظِيرِهِمْ بِسَابِقِيهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَهَا اللَّهُ.
وَخُصَّ بِالذِّكْرِ أَعْظَمُ الرُّسُلِ السَّالِفِينَ وَهُوَ مُوسَى مَعَ أُمَّةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ وَأُطِيلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مُمَاثِلَةِ حَالِهِمْ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ فِي الِاعْتِزَازِ بِأَنْفُسِهِمْ، وَفِي قِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ ثَبَاتُ مُوسَى وَثَبَاتُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ إِيمَاءً إِلَى التَّنْظِيرِ بِثَبَاتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَسِعَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى إِعَادَةِ الْأَمْوَاتِ. وَخُتِمَتْ بِذِكْرِ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّذِينَ أَوْبَقَهَمُ الْإِعْجَابُ بِرَأْيِهِمْ وَثِقَتُهُمْ بِجَهْلِهِمْ فَصُمَّتْ آذَانُهُمْ عَنْ سَمَاعِ حُجَجِ الْحَقِّ، وَأَعْمَاهُمْ عَنِ النَّظَرِ فِي دَلَائِلِ الْكَوْنِ فَحَسِبُوا أَنَّهُمْ عَلَى كَمَالٍ لَا يَنْقُصُهُمْ مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى الْكَمَالِ، فَحَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ، وَفِي هَذَا رَدُّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَخَوَّفَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَهْوَاةِ الْأَوَّلِينَ بِأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ الْإِمْهَالُ ثُمَّ الْمُؤَاخَذَةُ، فَكَانَ ذَلِكَ كَلِمَةً جَامِعَةً لِلْغَرَضِ أَذِنَتْ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ فَكَانَتْ مَحْسِنَ الْخِتَامِ.
وَتَخَلَّلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْمُسْتَطْرَدَاتِ وَالِانْتِقَالَاتِ بِذِكْرِ ثَنَاءِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَثَنَائِهِمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَذِكْرِ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّدَامَةِ، وَتَمْثِيلِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَتَشْوِيهِ حَالِ الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَتَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمْرِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ، وَأَنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَشَأْنِ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ فِي لُقْيَانِ التَّكْذِيبِ وَفِي أَنَّهُ يَأْتِي بِالْآيَاتِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ دُونَ مُقْتَرَحَاتِ الْمُعَانِدِينَ.
صفحة رقم 225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٤١- سُورَةُ فُصِّلَتْتُسَمَّى حم السَّجْدَةِ بِإِضَافَةِ حم إِلَى السَّجْدَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ، وَبِذَلِكَ تُرْجِمَتْ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَفِي «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» لِأَنَّهَا تَمَيَّزَتْ عَنِ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ حم بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَة من سُجُود الْقُرْآنِ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ (١) :«أَنَّ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: تَبَارَكَ، وَحم السَّجْدَةِ
(٢).
وَسُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ مَصَاحِفِ الْمَشْرِقِ وَالتَّفَاسِيرِ سُورَةَ السَّجْدَةِ، وَهُوَ اخْتِصَارُ قَوْلِهِمْ:
حم السَّجْدَةِ وَلَيْسَ تَمْيِيزًا لَهَا بِذَاتِ السَّجْدَةِ. وَسميت هَذِه السُّورَة فِي كَثِيرٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ سُورَةَ فُصِّلَتْ. وَاشْتُهِرَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي تُونِسَ وَالْمَغْرِبِ سُورَةُ فُصِّلَتْ لِوُقُوعِ كَلِمَةِ فُصِّلَتْ آياتُهُ [فُصِّلَتْ: ٣] فِي أَوَّلِهَا فَعُرِفَتْ بِهَا تَمْيِيزًا لَهَا مِنَ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ حم. كَمَا تَمَيَّزَتْ سُورَةُ الْمُؤْمِنِ بِاسْمِ سُورَةِ غَافِرٍ عَنْ بَقِيَّةِ السُّورِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ حم.
وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ: وَتُسَمَّى سُورَةَ الْمَصَابِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [فصلت: ١٢]، وَتُسَمَّى سُورَةَ الْأَقْوَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: ١٠].
_________
(١) هُوَ خَلِيل بن مرّة الضبعِي (بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة) الْبَصْرِيّ الرقّي، روى عَن عَطاء وَقَتَادَة، وروى عَنهُ اللَّيْث وَابْن وهب وَأحمد بن حَنْبَل. قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكر الحَدِيث توفّي سنة سِتِّينَ وَمِائَة.
(٢) الْمَعْرُوف هُوَ
حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن جَابر: «كَانَ رَسُول الله لَا ينَام حَتَّى يقْرَأ: آلم تَنْزِيل، وتبارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك»
. وَلَا مُنَافَاة بَين الْحَدِيثين. صفحة رقم 227
وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي «التَّبْصِرَةِ» : تُسَمَّى سَجْدَةَ الْمُؤْمِنِ وَوَجْهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ قَصْدُ تَمْيِيزِهَا عَنْ سُورَةِ الم السَّجْدَةِ الْمُسَمَّاةِ سُورَةَ الْمَضَاجِعِ فَأَضَافُوا هَذِهِ إِلَى السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ
سُورَةُ الْمُؤْمِنِ كَمَا مَيَّزُوا سُورَةَ الْمَضَاجِعِ بِاسْمِ سَجْدَةِ لُقْمَانَ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَعْدَ سُورَةِ لُقْمَانَ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ غَافِرٍ وَقبل سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وَعُدَّتِ الْحَادِيَةَ وَالسِتِّينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وَعُدَّتْ آيُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ.
أَغْرَاضُهَا
التَّنْوِيهُ بِالْقُرْآنِ وَالْإِشَارَةُ إِلَى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ. وَذِكْرُ هَدْيِهِ، وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَهُ الْبَاطِلُ، وَتَأْيِيدُهُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ. وَتَلَقِّي الْمُشْرِكِينَ لَهُ بِالْإِعْرَاضِ وَصَمِّ الْآذَانِ. وَإِبْطَالُ مَطَاعِنِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ وَتَذْكِيرُهُمْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَلَا عُذْرَ لَهُمْ أَصْلًا فِي عَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِهَدْيِهِ. وَزَجْرُ الْمُشْرِكِينَ وَتَوْبِيخُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَعَ بَيَانِ مَا فِي خَلْقِهَا مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ.
وَإِنْذَارُهُمْ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَوَعِيدُهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَشَهَادَةِ سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَجْسَادِهِمْ عَلَيْهِمْ وَتَحْذِيرُهُمْ مِنَ الْقُرَنَاءِ الْمُزَيِّنِينَ لَهُمُ الْكُفْرَ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالنَّاسِ وَأَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور