رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ و أدخلهم معطوف على قوله : قهم ، ووسط الجملة الندائية لقصد المبالغة بالتكرير، ووصف جنات عدن بأنها التي وَعَدْتَّهُمْ إياها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ أي : وأدخل من صلح، والمراد بالصلاح هاهنا : الإيمان بالله، والعمل بما شرعه الله، فمن فعل ذلك، فقد صلح لدخول الجنة، ويجوز عطف، ومن صلح على الضمير في وعدتهم، أي : ووعدت من صلح، والأولى عطفه على الضمير الأوّل في وأدخلهم، قال الفراء والزجاج : نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في أدخلهم. وإن شئت على الضمير في وعدتهم. قرأ الجمهور بفتح اللام من صلح. وقرأ ابن أبي عيلة بضمها، وقرأ الجمهور وذرياتهم على الجمع. وقرأ عيسى بن عمر على الإفراد إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم أي الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة. وَقِهِمُ السيئات أي العقوبات، أو جزاء السيئات على تقدير مضاف محذوف. قال قتادة : وقهم ما يسؤهم من العذاب وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ يقال : وقاه يقيه وقاية، أي حفظه، ومعنى فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي رحمته من عذابك، وأدخلته جنتك، والإشارة بقوله : وَذَلِكَ إلى ما تقدّم من إدخالهم الجنات، ووقايتهم السيئات، وهو مبتدأ وخبره هُوَ الفوز العظيم أي الظفر الذي لا ظفر مثله، والنجاة التي لا تساويها نجاة.
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال : حم اسم من أسماء الله. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وأبو عبيد، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة قال : حدّثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليلة الخندق :«إن أتيتم الليلة، فقولوا حملا ينصرون» وأخرج ابن أبي شيبة، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إنكم تلقون عدوّكم، فليكن شعاركم حم لا ينصرون» وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : ذِي الطول قال : ذي السعة والغنى. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عمر في قوله : غَافِرِ الذنب الآية قال : غافر الذنب لمن يقول : لا إله إلاّ الله وَقَابِلِ التوب ممن يقول : لا إله إلاّ الله شَدِيدُ العقاب لمن لا يقول : لا إله إلاّ الله ذِي الطول ذي الغنى لاَ إله إِلاَّ هُوَ كانت كفار قريش لا يوحدونه، فوحد نفسه إِلَيْهِ المصير مصير من يقول : لا إله إلاّ الله، فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول : لا إله إلاّ الله، فيدخله النار. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :«إن جدالاً في القرآن كفر» وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مراء في القرآن كفر».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني