قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا.
الْمَصَابِيحُ: النُّجُومُ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَزْيِينِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِالنُّجُومِ، قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا [٦ ٩٧].
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَحِفْظًا قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ «الْحِجْرِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ الْآيَةَ [١٥ ١٧].
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ.
قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سُورَةِ «ص» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [٣٨ ٤].
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ. الصَّرْصَرُ: وَزْنُهُ بِالْمِيزَانِ الصَّرْفِيِّ «فَعَفَلُ»، وَفِي مَعْنَى الصَّرْصَرِ لِعُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّيحَ الصَّرْصَرَ هِيَ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الشَّدِيدَةُ الْهُبُوبِ الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِهَا صَوْتٌ شَدِيدٌ، وَعَلَى هَذَا ; فَالصَّرْصَرُ مِنَ الصَّرَّةِ الَّتِي هِيَ الصَّيْحَةُ الْمُزْعِجَةُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ أَيْ فِي صَيْحَةٍ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى صَرِيرُ الْبَابِ وَالْقَلَمِ، أَيْ صَوْتُهُمَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّرْصَرَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ الْمُحْرِقُ، وَمِنْهُ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ الْآيَةَ [٣ ١١٧]، أَيْ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
| أَوْقِدْ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ | وَالرِّيحَ يَا وَاقِدُ رِيحٌ صِرُّ |
| عَلَّ يَرَى نَارَكَ مَنْ يَمُرُّ | إِنْ جَلَبَتْ ضَيْفًا فَأَنْتَ حُرّ |
| سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ يَوْمٍ أَتَيْتُهُ | أَسَاعَةَ نَحْسٍ تَتَّقِي أَمْ بِأَسْعَدِ |
وَيَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا مِنْ آخَرِ شَوَّالٍ، وَأَنَّ أَوَّلَهَا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، وَآخِرَهَا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ يَوْمَ النَّحْسِ الْمُسْتَمِرِّ هُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الْأَخِيرُ مِنَ الشَّهْرِ، أَوْ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ مُطْلَقًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمُنْتَسِبِينَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَكَثِيرًا مِنَ الْعَوَامِّ صَارُوا يَتَشَاءَمُونَ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْأَخِيرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَا يُقْدِمُونَ عَلَى السَّفَرِ وَالتَّزَوُّجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ يَوْمُ نَحْسٍ وَشُؤْمٍ، وَأَنَّ نَحْسَهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ الزَّمَنِ - لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ; لِأَنَّ نَحْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى عَادٍ فَقَطِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، فَاتَّصَلَ لَهُمْ عَذَابُ الْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ بِعَذَابِ الدُّنْيَا، فَصَارَ ذَلِكَ الشُّؤْمُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمُ اسْتِمْرَارًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
أَمَّا غَيْرُ عَادٍ فَلَيْسَ مُؤَاخَذًا بِذَنْبِ عَادٍ ; لِأَنَّهُ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
وَقَدْ أَرَدْنَا هُنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اغْتَرَّ بِهَا مَنْ ظَنَّ اسْتِمْرَارَ نَحْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ; لِنُبَيِّنَ أَنَّهَا لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا.
قَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَقَالَ: يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ».
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَالْحِجَامَةِ، وَيَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ». ُُ صفحة رقم 18
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي