ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر ما عاقبهم به في الآخرة، فقال : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله إِلَى النار ، وفي وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة في ذمهم، والعامل في الظرف محذوف دلّ عليه ما بعده تقديره : يساق الناس يوم يحشر أو باذكر، أي : اذكر يوم يحشرهم. قرأ الجمهور : يحشر بتحتية مضمومة، ورفع أعداء على النيابة، وقرأ نافع :" نحشر " بالنون، ونصب أعداء، ومعنى حشرهم إلى النار : سوقهم إليها، أو إلى موقف الحساب، لأنه يتبين عنده فريق الجنة وفريق النار فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أوّلهم على آخرهم ؛ ليتلاحقوا ويجتمعوا، كذا قال قتادة، والسدّي وغيرهما، وقد سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله : فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يحبس أوّلهم على آخرهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : يدفعون. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر : قرشي وثقفيان، أو ثقفيّ وقرشيان، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخران : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران : إن سمع منه شيئاً سمعه كله ؛ قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ إلى قوله : مّنَ الخاسرين . وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تحشرون هاهنا، وأومأ بيده إلى الشام، مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام، وأوّل ما يعرب عن أحدكم، فخذه وكتفه» وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :« وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ ». وأخرج أحمد، وأبو داود الطيالسي، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ الخاسرين ».