يقول تعالى : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ أي اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يُوزَعُونَ أي تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى : وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً [ مريم : ٨٦ ] أي عطاشاً، وقوله عزّ وجلّ : حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا أي وقفوا عليها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أي بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يكتم منه خوف، وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا أي لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون، عن أنَس بن مالك رضي الله عنه قال :« » ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسم فقال ﷺ : ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ « قالوا : يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال ﷺ :» عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول : أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني، قال : بلى، فيقول : فإنني لا أقبل عليَّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى : أو ليس كفى بي شهيداً والملائكة الكرام الكاتبين - قال - فيردد هذا الكلام مراراً - قال - فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول : بعداً لكُنَّ وسحقاً، عنكن كنت أجادل «، وقال أبو موسى :» يدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عزّ وجلّ عمله، فيجحد، ويقول : أي رب وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك : أما عملت كذا في يوم كذا فيم كان كذا؟ فيقول : لا وعزتك، أي رب ما عملته، قال : فإذا فعل ذلك ختم على فيه، قال الأشعري فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى «، وروى الحافظ أبو يعلى، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :» إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقول : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول : كذبوا فيقول : أهلك وعشيرتك، فيقول : كذبوا، فيقول : احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار «.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون، وحتى يؤذن لهم، فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه، فتخاصم الجوارح، فتقول : أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فتقر الألسنة بعد الجحود.
وقوله تعالى : وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ أي تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم : ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال تعالى : ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ أي هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون، هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الخاسرين أي في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم. روى الإمام أحمد، عن عبد الله رضي الله عنه قال : كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه يقفيان أو ثقفي وختناه قرشيان كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم : أترون أن اله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر : إن سمع منه شيئاً سمعه كله، قال : فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله عزّ وجلّ : وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ إلى قوله مِّنَ الخاسرين . وروى الإمام أحمد، عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوماً قد أرادهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الخاسرين » وقوله تعالى : فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين أي سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا، هم في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذاراً فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات، قال ابن جرير : ومعنى قوله تعالى : وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ أي يسألوا الرجعة إلى الدنيا فلا جواب لهم، قال : وهذا كقوله تعالى إخباراً عنهم : قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : ١٠٦-١٠٨ ].
صفحة رقم 2255تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي