ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار. . . الآية لما بين تعالى في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى وهي عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، ومن جملتها العالم بجميع أجزائه فبدأ هاهنا بذكر الفلكِّيات وهي اللَّيل والنَّهار، والشمس والقمر، وقدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدمٌ، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، وهذا كالتنبيه على وجود الصانع وتقدم شرحه مراراً. ولما بين أن الشمس والقمر يحدثان وهما دليلان على وجود الإله القادر قال لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ يعني أنهما عبدا دليلان على وجود الإله ( القادر )١ والسجود عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بمن كان أشرف الموجودات فقال : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر لأنهما عبدان مخلوقان، واسجدوا لله الخالق القادر الحكيم٢.
قوله : خلقهن في هذا الضمير ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه يعود على «الليل والنهار والشمس والقمر »٣. وفي مجيء الضمير كضمير الإناث ( كما قال الزمخشري هو أنَّ جمع ما لا يعقل حكمه حكم الأنثى أو الإناث ) نحو : الأَقْلاَمُ بريتُهَا وبرَيْتُهُنَّ.
وناقشه أبو حيان : من حيث إنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك ؛ لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث، وفي جمع الكثرة أن يعامل معالمة الأنثى، فالأفصح أن يقال : الأجذاع كَسَرتهُنَّ، والجذوع كسرتُهَا، والذي تقدم في هذه الآية ليس بجمع قلة أعني بلفظ واحد ولكنه ذكر أربعة متعاطفة فتنزَّلَت منزلة الجمع المعبر به عنها بلفظ واحد٤. قال شهاب الدين : والزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح والأفصح بل في مقام كيفية مجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنث٥ أو لَمَّا قال :«وَمِن آياتِهِ » كُنَّ في معنى الآيات فقيل : خَلَقَهُنَّ. ذكر الزمخشري٦ أيضاً أنه يعود على لفظ الآيات وهذا هو الوجه الثاني.
الثالث : أنه يعود على الشمس والقمر ؛ لأن الاثنين جمع، والجمع مؤنث لقولهم :«شُمُوسٌ وأَقْمَارٌ »٧.
وقال البغوي : إنما قال خلقُهُنَّ بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، ولم يُجْر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث٨.
قوله : إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ قيل : كان ناسٌ يسجدون للشمس والقمر كالصَّابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنه يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فَنُهُوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق هذه الأشياء٩.

١ سقط من ب الأصل..
٢ انظر الرازي بتغيير طفيف في العبارة ٢٧/١٢٨، ١٢٩..
٣ نقله الزمخشري في الكشاف ٣/٤٥٤..
٤ نقله في البحر المحيط ٧/٤٩٨، ونقله عن السمين في الدر المصون ٤/٧٣٥، وانظر معاني الفراء ٣/٨..
٥ الدر المصون ٤/٧٣٥..
٦ الكشاف للزمخشري ٣/٤٥٤، وقد قال بذلك أيضا أبو البركات ابن الأنباري في البيان ٢/٣٤٠ قال والهاء والنون في "خلقهن" تعود على الآيات، ولا تعود على الشمس ولقمر والليل والنهار؛ لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب جانب المذكر على جانب المؤنث..
٧ قال بذلك أبو حيان في البحر ٧/٤٩٩..
٨ معالم التنزيل له ٦/١١٢..
٩ ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/٤٥٤ والرازي في التفسير الكبير ٢٧/١٢٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية