بعض الآيات الكونية الدالة على قدرة الله
تكرر إيراد الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته وعظمة خلقه، في آيات متنوعة من القرآن الكريم، لإقناع المشركين بعقيدة الحق والتوحيد والعدل الإلهي، ويمكن لكل إنسان واع إدراك هذه الظواهر الحسية، والاقتناع بدلالاتها وما تومئ إليه، فلا يبقى بعدئذ عذر لأحد في إنكار وجود الله تعالى وتوحيده، وقدرته التي لا تضارع، ولا يرقى لمثيلها إنسان. وهذا ما وجهت إليه الآيات الشريفة:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
«١» «٢» [فصلت: ٤١/ ٣٧- ٣٩].
تضمنت الآيات الكريمة دلائل أربعة فلكية: وهي الليل والنهار والشمس والقمر، وآية أرضية: وهي إنبات النباتات بالأمطار والأنهار، لإثبات قدرة الله تعالى على إبداع الأشياء وخلقها، وعلى إحياء الموتى مرة أخرى، في عالم الآخرة والبعث.
إن من آيات الله تعالى ودلائل قدرته وعظمته: إيجاد الليل والنهار، وتعاقبهما، وخلق الشمس المضيئة والقمر المنير، ففي ذلك خير للإنسان ونفعه، وتمكينه من الحياة البشرية بنحو مريح ومفيد، وبما أن الشمس والقمر مخلوقان خاضعان لسلطان الله وتسخيره، فإياكم أيها البشر من السجود للشمس والقمر وعبادتهما، لأنهما مخلوقان لله، وكل مخلوق عاجز عن فعل شيء، والأولى عبادة الخالق جل جلاله، إن
(٢) انتفخت وعلت بالنبات أو الزرع.
كنتم تريدون عبادة الله، فعبادة الله وحده: هي الواجبة والصحيحة والنافعة، وعبادة من دونه من المخلوقات الكونية: هي باطلة كل البطلان، ولا تفيد شيئا.
وهذا ردّ على الصابئة عبدة الكواكب، وعلى عبدة الشمس الذين يزعمون أنهم يريدون من السجود للشمس والقمر السجود لله تعالى. ويلاحظ أن ذكر الليل والنهار يتضمن ما فيهما من طول وقصر، وتداخل واستواء وتفاوت، وذكر القمر والشمس يتضمن ما فيهما من عجائب وحكمة ونفع؟ فإن تكبر هؤلاء المشركون عبدة الكواكب عن امتثال أوامر الله تعالى وتوجيه رسوله، وأبو إلا البقاء على شركهم، فلا يهمنك أمرهم أيها الرسول، فإن الذين يعبدون الله بحق كثيرون، فمنهم الملائكة الأشراف ذوو المكانة عند الله، لا المكان أو الموضع، الذين يواظبون على عبادة الله، وتنزيهه في كل وقت، ليلا ونهارا، وهم لا يملّون من عبادة الله سبحانه، ولا ينقطعون عن متابعة العبادة، وكلمة عِنْدَ رَبِّكَ ليست ظرف مكان، وإنما هي بيان المنزلة والقربة.
إن هذه الآية تتضمن وعيد المشركين وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم، فأولى بهم إعادة النظر في صرف جهودهم في شيء لا طائل معه ولا نفع، وإنما هو سبب عذاب وغضب وسخط من الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى دلائل أخرى من الأرض وما فيها من أسرار على وجوده وقدرته ووحدانيته، ومن هذه الدلائل: أنك أيها الناظر ترى الأرض هامدة جامدة، لا نبات فيها ولا حياة، فإذا أنزل الله عليها المطر، تحركت بالنبات، وانتفخت وعلت، وأخرجت مختلف ألوان الزروع والحبوب والثمار، وفيها مع ذلك خزائن الثروة المعدنية، النفطية السائلة، والجامدة من معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والفوسفات وغيرها.
إن الذي أحيا هذه الأرض الجدبة بالنبات والزرع، قادر على أن يحيي الأموات،
أي إن الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية في مجال إيجاد الأحياء النباتية، إنما هو إحياء الموتى، فإن الله هو الرب القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. والشيء في اللغة: هو الموجود. وهذا دليل حسي مشاهد، نبّه عليه القرآن الكريم للتوصل إلى الإيمان بقدرة الله على البعث والإحياء بعد الإماتة، والركود في القبور، وإن الذي يجب الانتباه له: هو قدرة الله تعالى الخالق، في ابتداء الخلق، وإعادته وانتهائه، وفي كل وقت وحال.
وبعد هذا البيان الإلهي لا يبقى عذر لأحد في خطأ الاعتقاد، وعبادة غير الله سبحانه، والتماس الخير والنفع من غير الله القادر، أو منع الضرر والشر من عبيد الله ومخلوقاته. ألا إنها عظة وذكرى لمن كان له قلب وعقل ووعي، وألقى السمع وتنبه، وهو شهيد، أي صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وانتبه في سماعها.
الميل والإعراض عن القرآن
عجيب أمر الإنسان، يرى الحق ويشاهده، ويلمس فائدة الاستقامة وجدواها، وطريق النجاة والسلامة، ومع ذلك يعرض عنه، ويميل إلى غيره من ألوان الباطل والانحراف، متأثرا بأهوائه وشهواته، مؤثرا نفعا عاجلا في ظنه، ولكنه في الواقع هو عين الهلاك والضياع. وما مثله إلا كمثل المريض الأحمق، ينصحه الطبيب بتناول دواء معين، فيتركه ويهمله، إلى أن يلقى حتفه ونهايته، وهكذا بعض الناس يلحدون في القرآن، أي يميلون عنه وعن توجيهاته، وهو الحق الأبلج، والصواب الأسدّ، ويتجهون إلى غيره، وهو الباطل اللجلج، والخطأ البين. وهذا ما أبانته الآيات الآتية:
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي