بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فصلتسورة حم السجدة مكية
قوله تعالى: حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم - إلى قوله - ذَلِكَ رَبُّ العالمين. قد تقدم القول في حم.
وقوله: تَنزِيلٌ، أي: هو تنزيل، يعني: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم على عبده محمد ﷺ.
ثم قال: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أي: هو كتاب فصلت آياته بالحلال والحرام، والفرائض والأحكام. وهو قول قتادة.
(وقال الحسن): فصلت بالوعد والوعيد. صفحة رقم 6475
وقال مجاهد: فصلت: فسرت.
وقيل: " كتاب " ارتفع على أنه خبر لتنزيل.
وقيل: معنى فصلت آياته: أنزلت شيئاً بعد شيء، ولم تنزل إلى الدنيا مرة واحدة.
ثم قال تعالى: قُرْآناً عَرَبِيّاً، نصب " قرآناً على الحال، أي: فصلت آياته في حال جمعه، وقيل: نصبه على المدح، والمعنى أنه ليس بأعجمي بل هو عربي.
وهذا يدل على بطلام قول من قال: إن فيه من لغة العبريانية والنبطية ما لم تعرفه العرب. بل الذي فيه من ذلك قد أعربته العرب وغيرته بلسانها فصار من لغتها.
(فصار كل) القرآن عربياً.
ويدل أيضاً هذا على بطلان قول من قال: إن في معاني باطنة لا تعلمها العرب فكيف ينزل بلغتها وهي لا تفهمه.
ثم قال تعالى: بَشِيراً وَنَذِيراً، أي: يبشرهم - إن آمنوا وعملوا بما أمروا - بالخلود في الجنة وينذرهم - إن عصوا أو كفروا - بالخلود في النار.
وقوله: لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، معناه: لقوم يعقلون ما يقال لهم.
وهذا يدل على أن الله جل ذكره إنما خاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل عليه شيء من أمر دينه وجب عليه أن يسأل من يعلم.
ثم قال تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ، أي: فأعرض كثير منهم عن الإيمان واستكبروا عن قبول ما جاءهم به محمد عليه السلام؛ فهم لا يصغون له فيسمعون ما فيه، استكباراً.
وقيل: معنى لا يسمعون، لا يقبلون ما جاءهم من عند الله تعالى.
" ويروى أن قريشاً اجتمعت في أمر النبي ﷺ فقال لهم عتبة بن ربيعة - وكان مقدماً في قريش، قد قرأ الكتب وقال الشعر وعرف الكهانة والسحر - أنا أمضي إلى محمد فاستخبر أمره لكم. فأتى النبي ﷺ وهو عند المقام بمكة، فقال: يا محمد، إن كنت
فقيراً جمعنا لك من أموالنا ما نغنيك به، وإن أحببت الرياسة رأسناك علينا... وعدد عليه، والنبي ﷺ ساكت. فلما فرغ عتبة من كلامه قرأ النبي ﷺ: " بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ - إلى - فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ، فقرأ النبي ﷺ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ - حتى بلغ - وَثَمُودَ، فلما سمع عتبة ذلك وثب خائفاً فوضع يده على فم النبي ﷺ وناشده بالرحم إلا سكت، فسكت النبي ﷺ، وانصرف عنه إلى منزله، وأبطأ على قريش.
فقالت قريش: صبأ عتبة إلى دين محمد! امضوا بنا إليه. فجاؤوا منزل عتبة فدخلوا وسلموا وسألوه. فقال: يا قوم، قد علمتم أني من أكثركم مالا وأوسطكم حسباً، وأني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله يا قوم، لقد قرأ علي محمد كلاماً ليس بشعر (ولا رجز) ولا سحر ولا كهانة، ولولا ما ناشدته الرحم ووضعت يدي على فمه لخفت أن ينزل بكم العذاب ".
قال أبو محمد: وهذا يدل على إعجاز القرآن، فلو كانوا يقدرون على مثله أو على شيء منه لعارضوه به ولاحتجوا عليه بذلك.
ثم قال تعالى: وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، أي: وقال المشركون لمحمد ﷺ قلوبنا في أوعية قد تغطت بها فلا تفهم عنك ما تقول لها كقول اليهود للنبي ﷺ: قلوبنا لف وواحد الاكنة كنان.
وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ، أي: صمم، فلا تسمع منك ما تقول كراهة لقولك.
قال مجاهد: في أكنة: " كالجعبة للنبل "، وقال السدي: في أكنة: في أغطية.
ثم قال تعالى: حكاية عنهم: " وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ "، أي: حاجز فلا نجامعك على شيء مما تقول، نحن نعبد الأصنام وأنت تعبد الله سبحانه. فهذا هو الحاجز الذي بينهم وبين النبي ﷺ.
ثم قالوا له: فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ، أي: فاعمل يا محمد بدينك، إننا عاملون بديننا، ودع ما تدعونا إليه من دينك وندع دعاءك إلى ديننا.
وقيل: المعنى: فاعمل في هلاكنا وضرنا إنا عاملون في مثل ذلك منه.
ثم قال الله جل ذكره لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد جواباً لهم على قولهم لك: قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ "، أي: إنما أنا من ولد آدم مثلكم في الصورة والحال، أوحى الله إلي أن معبودكم الذي تجب له العبادة والخضوع واحد لا إله غيره.
فاستقيموا إِلَيْهِ، أي استقيموا على عبادته ولا تعبدوا غيره.
واستغفروه على ما سلف من فعلكم في عبادتكم الأصنام من دونه وتوبوا إليه من ذلك.
ثم قال تعالى: وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة، أي: (وقيوح) وصديد أهل النار لمن ادعى أن لله شريكاً لا إله إلا هو.
وقوله: الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة، (معناه: الذين لا يعطون لله طاعة تطهرهم من الذنوب وتزكي أعمالهم، وهذا معنى قول ابن عباس وروي عنه أنه قال: الذين لا يؤتون الزكاة، أي): لا يشهدون ألا إله إلا الله.
وقال عكرمة: معناه: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.
وقال قتادة: معناه: الذين لا يقون بفرض زكاة أموالهم ولا يؤمنون بفرض ذلك عليهم، وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ أهل الردة على منعهم الزكاة مع إقرارهم بالصلاة. وقال رضي الله عنهـ: والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه.
قال السدي: لو زكوا وهم مشركون لم تنفعهم.
وروى نافع عن ابن عمر: الذين لا يؤتون الزكاة: التوحيد.
وقال الربيع بن أنس: معناه، الذين لا يزكون أعمالهم فينتفعون بها.
قال الحسن: " عظم الله تعالى شأن الزكاة فذكرها. فالمسلمون يزكون والكفار لا يزكون، والمسلمون يصلون والكفار لا يصلون ".
وقال الزجاج: معناه: لا يؤمنون بأن الزكاة حق واجب عليهم.
ثم قال تعالى: وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ، أي: وهم مع تركهم لإخراج زكاة أموالهم وكفرهم بأن الزكاة واجبة لا يصدقون بالبعث والجزاء.
ثم قال تعالى: إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالم، أي: إن الذين صدقوا، الله ورسوله وعلملوا بما أمرهم الله تعالى ورسوله ﷺ وانتهوا عما نهوا عنه لهم الجنة.
قال ابن عباس: غير ممنون: غير منقوص، وقال مجاهد: " غير محسوب ".
وقيل: غير مقطوع، بل نعيمهم أبداً لا ينقطع.
يقال: (مننت الحبل) إذا قطعته، (وقد منه السفر إذا) قطعه.
وقيل معناه: لهم أجر لا يمن عليهم به من أعطاهم إياه، لأنه قد وعدهم به، ووعده تعالى ذكره حق عليه إتمامه. فلا منة تلحقهم في إتمام ما وعدهم به.
ثم قال تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ. هذا تقرير وتوبيخ للمشركين.
والمعنى: أتكفرون (بالله الذي) ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين.
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً، أي: أمثالاً تعبدونهم (من دون الله) ذَلِكَ رَبُّ العالمين، أي: الذي ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين مع غلظها وعظمها، وطولها وعرضها، وثبتها تحت أقدام الخلق حتى تصرفوا عليها، فهو خالق جميع الخلق ومالكهم، وله تصلح العبادة لا لغيره، واليومان هما: يوم الأحد والإثنين.
قال النبي ﷺ لليهود حين سألوه عن ذلك:
" خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين) وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب. فهذه أربعة أيام " وهو قوله " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ [فصلت: ١٠] "، أي: لمن سأل عن ذلك. " وسواء " مصدر عند سيبويه، أي: استوت استواء.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي