المكابرون ما يشاءون فمصيرهم إلى الله وهو عليم بصير بما يعملون ومجزيهم عليه بما يستحقون.
وعلى الاحتمال الثاني يكون الإلحاد الوارد فيها أي المكابرة والانحراف والجحود بالنسبة للقرآن الذي ذكر في الآيات التالية، وما جاء في الآية من مقايسة وإنذار يبقى واردا بالنسبة للاحتمالين.
والفقرة الأخيرة بسبيل الإنذار. وهي أيضا من العبارات القرآنية الحاسمة في الدلالة على تقرير قابلية الإنسان واختياره وإرادته وكسبه.
والصلة بين الآية والسياق السابق لا تنقطع في حالة صحة الاحتمال الثاني، فالسياق السابق ذكر بعض آيات الله ومشاهد عظمته وربوبيته والقرآن هو الذي يقص ذلك، فالمناسبة تظل قائمة كما هو المتبادر.
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)
. (١) الذكر: هنا كناية عن القرآن.
(٢) عزيز: قد تكون الكلمة بمعنى كريم معزز وقد تكون بمعنى منيع لا يرام ولا يستطيع أحد أن ينفذ إليه بتحريف أو باطل أو زيادة أو نقص والمعنى الثاني أكثر توافقا مع الآية الثانية.
(٣) ينادون من مكان بعيد: كناية عن عدم استماعهم لأن المرء لا يسمع صوت من يدعوه إذا كان الداعي بعيدا جدا عنه.
(٤) إنهم لفي شك منه مريب: بمعنى أن الذين يشكون فيه هم في ريب مما يشكون أي غير مستيقنين ومتثبتين في شكهم.
على احتمال أن تكون الآية السابقة مقدمة لهذه الآيات تكون هذه الآيات استمرارا للسياق. فالذين يتعامون عن الحق عمدا ويلحدون في آيات الله هم الذين كذبوا بالقرآن لما جاءهم. وعلى احتمال أن تكون الآية السابقة تعقيبا على ما قبلها تكون هذه الآيات فصلا جديدا متصلا في الوقت نفسه بالسياق السابق أيضا حيث حكي فيه صورة من صور إلحاد الملحدين في آيات الله التي منها القرآن.
وعلى كل حال ففي الآيات صورة من صور الجدل الذي كان يدور حول القرآن بين النبي ﷺ والكفار المكابرين:
١- فالذين كابروا في آيات الله الماثلة في الكون هم الذين كابروا أيضا في القرآن لما جاءهم وحاولوا التشويش عليه وهو الكتاب المنيع العلي المعتد الذي لا يرام والذي لا يأتيه الباطل والتحريف من أي جهة لأنه تنزيل من الله الحكيم الذي يفعل ما يفعل على غاية من الصواب والإحكام ويستوجب على كل ما يفعل الحمد والثناء. وما يقوله الكفار للنبي ﷺ قد قاله أمثالهم للرسل من قبله، وإن الله لرقيب عليهم وهو ذو العقاب الأليم كما هو ذو المغفرة الواسعة لمن يستحقها.
٢- ولو أنزل الله القرآن بلسان غير عربي لاعترض الكفار أيضا وتساءلوا عن عدم تفصيل آياته بلسان يفهمونه فكيف يكون قرآنا عربيا وأعجميا في آن واحد.
٣- وعلى النبي أن يعلن- ردا على ما يقولونه- أن القرآن هو هدى وشفاء للذين آمنوا وصدقوا وحسنت نياتهم وصفت طواياهم ورغبوا في الحق في حين أن الكافرين لن ينتفعوا به لأن في آذانهم صمما وفي عيونهم ظلمة أو كأنهم ينادون من مكان بعيد فلا إمكان لإسماعهم النداء.
٤- ولقد كان هذا شأن الناس تجاه الكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام،
فقد اختلفوا فيه بين مصدق ومكذب.
٥- والله قادر على أن يقضي بين الناس قضاء عاجلا فيمحق الكافرين المكذبين وينجي المصدقين المؤمنين، ولكن حكمته اقتضت تأجيل هذا القضاء إلى يوم القيامة الذي هو آت لا ريب فيه.
والفقرة الأخيرة من الآية الأخيرة تحتمل أن تكون في صدد القرآن أو في صدد يوم القيامة أو في صدد كتاب موسى، وفيها تقرير بأنهم غير متثبتين فيما يشكون وهم في ريب منه.
والوصف الذي وصف به الذين لا يؤمنون بالقرآن في الآية [٤٤] هو بقصد وصف شدة عنادهم ومكابرتهم، وقد تكرر في المناسبات المماثلة بهذا القصد ومرّ من ذلك أمثلة في السورة السابقة. ولقد قال بعض المفسرين: إن جملة وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ بمعنى أنه لو أنزل القرآن أعجمي اللغة لاعترضوا أيضا وقالوا كيف ينزل قرآن أعجمي على رسول عربي؟ ومع أن هذا لا يخلو من وجاهة فإن ما أوردناه في الشرح هو الذي تبادر لنا أنه الصواب. والله أعلم.
تعليق على جملة وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ
والآية [٤٤] تلهم أن الكفار كانوا يتساءلون عن سبب عدم وحدة اللغة بين القرآن والكتب السماوية الأولى ما دامت كلها من عند الله. وكانوا يعرفون أن الكتب السابقة بلغة غير عربية ومن المحتمل أن يكون هذا التساؤل إذا صح استلهامنا إن شاء الله قد وقع منهم في معرض التحدي والطعن والتكذيب. فردت الآيات ردا فيه تسفيه قوي مفحم للمكابرة التي دفعتهم إلى هذا التساؤل. ومن المحتمل أن يكون هذا قد وقع في مواجهة جدلية فنزلت الآيات بسبيل حكاية ما وقع الرد عليه. كما أن من المحتمل أن يكون هذا مما كانوا يتقولونه في مختلف
المواقف على سبيل التحدي والمكابرة وهو ما نرجحه بدليل آيات وردت في سورة الشعراء التي سبق تفسيرها، فيها شيء ما مما في هذه الآية وهي: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) وقبل هذه الآيات جاءت الآيات [١٩٣- ١٩٥]، تقرر أن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، كأنما احتوت تعليلا لإنزاله باللسان العربي دون اللسان الأعجمي.
وفي سورة إبراهيم التي نزلت بعد هذه السورة بمدة ما آية جاء فيها وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ حيث يمكن أن يكون قد بدأ اعتراض آخر مماثل منهم فاقتضت حكمة التنزيل أنزل هذه الآية محتوية على توكيد آخر لهذا التعليل، وحيث يمكن أن فيها تدعيم لما استلهمناه من الآية التي نحن في صددها.
ولقد قال بعض المفسرين إن الجملة بمعنى أنه لو نزل القرآن أعجمي اللغة لاعترضوا أيضا وقالوا كيف ينزل.
تعليق على جملة لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
والتقرير الذي احتوته جملة لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ هو في صدد كون القرآن في محكماته وأحكامه وأهدافه ومبادئه وتلقيناته متساوق كل التساوق كله حق ليس فيه أي تناقض ولا اختلاف فضلا عن أنه مبرأ من كل باطل أو شبهة باطل.
وكل من أنعم النظر في فصوله بأناة وتدبر ومقارنة ومقابلة وربط بعض فصوله ببعض وتفسير بعض فصوله ببعض وكان منصفا بعيدا عن الهوى والمكابرة يظهر على هذه المعجزة العظمى التي تقررها هذه الجملة. وفي سورة النساء هذه الآية: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) حيث ينطوي فيها توكيد تقريري آخر فيه معنى التحدي مع الوثوق بصحة التقرير.
وقد يكون في الفصول المتشابهة والوسائلية من قصص ومشاهد كونية وأخروية وغيبية شيء من التنوع والتباين أو ما لا يدركه عقل الإنسان ولكن ذلك لا يمكن أن ينطبق عليه وصف باطل قط. وإنما جاء بالأسلوب الذي اقتضته حكمة التنزيل لتحقيق
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة