ثم ذكر مقابل قوله : شرع لكم من الدين ، كأنه تعالى لما ذكر أنه شرع ما وصى به، أخذ ينكر ما شرع غيره، فقال :
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ. . . .
يقول الحق جلّ جلاله : أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ، " أم " : منقطعة، أي : بل ألهم شركاء، أو : معادلة لمحذوف، تقديره : أقبلوا ما شرعت لهم من الدين، أم لهم آلهة شرعوا من الدين ما لم يأذن به اللهُ أي : لم يأمر به، ولولا كلمةُ الفصل أي : القضاء السابق بتأخير الجزاء، أي : ولولا العِدة بأن الفصل يكون يوم القيامة لقُضِيَ بينهم ؛ بين الكفار والمؤمنين. أو : لعجلت لهم العقوبة. وإِنَّ الظالمين لهم عذابٌ أليمٌ ؛ وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة، وإن أخّر عنهم في دار الدنيا.
وقوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضاتِ الجنات قال القشيري : في الدنيا جنة الوصلة، ولذاذة الطاعة والعبادة، وطيب الأُنْسِ في أوقات الخلوة، وفي الآخرة في روضات الجنات، إن أرادوا دوامَ اللطفِ دامَ لهم، وإن أرادوا تمامَ الكشف كان لهم. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي