يعني: لماذا كذَّبوا محمداً ولم يؤمنوا بما جاء به؟ ألهم شركاء وضعوا لهم شرعاً ومنهجاً يتبعونه، وديناً يدينون به ويتركون دين محمد؟ والشركاء أي: الأشياء التي عبدوها من دون الله، منهم مَنْ عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر أو الشجر أو الحجر أو الملائكة، فهل هذه الآلهة المدَّعاة لها شرع؟ هل قالت لهم: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؟
إذن: آلهة بلا منهج وبلا تكاليف فعبادتها باطلة، وهم ما عبدوها إلا لذلك، لأنها بلا منهج وبلا تكاليف، فقط تُرضِي ما في نفوسهم من الرغبة في التديُّن، وما أسهلَ أن يكونَ للإنسان دينٌ بلا تكاليف. والعبادة ما هي إلا طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، ثم ماذا أعدَّتْ هذه المعبودات لمن أطاعها، وماذا أعدَّتْ لمَنْ عصاها؟
إذن: هذه جمادات لم تقُلْ لكم شيئاً، ولم تأمركم بشيء، ولم تشرع لكم ديناً، بل أنتم شرَّعتم لأنفسكم واتبعتم أهواءكم لإرضاء عاطفة في نفوسكم، آلهتكم من صُنْع أيديكم أو أفكاركم السقيمة الضالة.
لذلك يقول تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣].
نعم هؤلاء قوم يفترون على الله الكذب، ويختلقون من عند أنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أين أتوا بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؟ هذه أشياء اخترعوها من عندهم افتراً على الله وكذباً...
وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ.. أي: الحكم بعدم إهلاكهم وتأخير عذابهم إلى الآخرة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.. يعني: حُكِم عليهم بالعذاب العاجل.
حين ننظر في الأشياء التي أحلَّها الله والأشياء التي حرَّمها نجدها تعتمد على مراعاة المنفعة ودفع المضرة عن الإنسان، فالحلال فيه نفع والحرام فيه ضرر...
ثم نلحظ على الآية أنها عبَّرتْ عن باطلهم الذي جاءوا به من عند أنفسهم بأنه دين أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ.. فسمي الباطل ديناً تجاوزاً، لأنهم مؤمنون به ويعتبرونه ديناً، كما قال تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] على اعتقادهم، والدين ما يدين به الإنسان.
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الظالم إما يظلم غيره، وإما يظلم نفسه، وهذا أشنع أنواع الظلم، فقد يعقل أن يظلم الإنسان عدوه، إنما يظلم نفسه التي بين جنبيه؟! فكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلمها حين يُعرِّضها للعقوبة، ويحرمها من الثواب والنعيم، وأشد أنواع ظلم الإنسان لنفسه أنْ يظلمها في مسألة العقيدة والإيمان بالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
تفسير الشعراوي
الشعراوي