ولما ذكر أن أهل الإيمان يستجيب لهم، ويزيدهم من فضله، يعني في الآخرة، وأما في الدنيا فإنما يعطيهم الكفاف، ذكر حكمة ذلك، فقال :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ .
يقول الحق جلّ جلاله : ولو بَسَطَ اللهُ الرزقَ لعباده أي : لو أغناهم جميعاً لَبَغوا في الأرض أي : لتَكَبروا وأفسدوا فيها، بطراً، ولعلا بعضُهم على بعض بالاستعلاء والاستيلاء، لأن الغِنى مبطرة مفسدة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة. وأصل البغي : تجاوز الاقتصاد عما يجزي من حيث الكمية أو الكيفية. ولكن يُنَزِّل بِقَدرِ أي : بتقدير ما يشاء أن ينزله، مما تقضيه مشيئته. يقال : قدره وقدّره قدراً وتقديراً إِنه بعباده خبير بصير ؛ محيط بخفايا أمورهم وجلاياها، فيقدر لكل واحد منهم ما يليق بشأنه، فيُفقر ويُغني، ويُعطى ويَمنع، ويقبض ويبسط، حسبما تقتضيه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعاً لَبَغوا في الأرض، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على مَن يبغي، ومِن البغي بدون البسط، فهو قليل، ولكن البغي مع الفقر أقلّ، ومع البسط أكثر وأغلب، فالحكمة لا تنافي بغي البعض بدفعه بالبعض الآخر، بخلاف بغي الجميع. وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ. . . [ الحج : ٤٠ ] الآية.
وقال شفيق بن إبراهيم : لو بسط الله الرزق لعباده أي : لو رزق الله العباد من غير كسب لبغوا ؛ طغوا وسَعَوا في الأرض بالفساد، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش، رحمة منه. ه. أي : لئلا يتفرّغوا للفساد، ومثله في التنوير. وقال شيخ شيوخنا الفاسي العارف : والظاهر حمل العباد على الخصوص المصْطَفين من المؤمنين، فإنهم يحمون من الطغيان وبسط الرزق ؛ لئلا يبغوا. ه.
وقال قتادة : كان يقال : خير الرزق : ما لا يطغيك، ولا يلهيك، فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها(١) " ه.
رُوي أن أهل الصُّفة تمنوا الغنى، فنزلت. وقيل : نزلت في العرب، كانوا إذا أخصبوا تحاربوا، وإذا جدبوا انتجعوا. ه.
قوله : وهو الذي يُنزل الغيث... الآية، كما ينزل غيث المطر على الأرض الميتة، ينزل أمطار الواردات الإلهية على القلوب الميتة، فتحيا بالذكر والمعرفة، بعد أن أيست من الخصوصية.
قال القشيري : بعد كلام : وكذلك العبد إذا ذَبُلَ غُصْنُ وقته، وتكَدَّرَ صَفْو ودّه ؛ وكسفت شمس أُنسِه، وبَعُدَ عن الحضرةِ وساحاتِ القرب عَهْدُه، فربما ينظر إليه الحقُّ نظر رحمة، فينزل على سِرِّه أمطارَ الرحمة، ويعود عودُه طريّاً، ويُنْبِتُ في مشاهد أُنْسِه ورداً جَنِياً، وأنشدوا في المعنى :
إنْ راعني منك الصُدود *** فلعلَّ أيامي تعود
ولعل عهدك باللِّوى *** يحيا فقد تحيا العهود
والغُصن ييبس تارةً *** وتراه مُخْضرّاً يميد
وقوله تعالى : وهو الوليّ قال القشيري في شرح الأسماء : الولي هو المتولي لأحوال عباده، وقيل معناه : المناصر، فأولياء الله أنصار دينه، وأشياع طاعته، والوليّ في صفة العبد : هو مَن يواظب على طاعة ربه. ومن علامات مَن يكون الحق سبحانه وليَّه : أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال، ويؤمنه، فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع، بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل نَفَس، فيحقق آماله عند إشارته، ويجعل مآربه عند خطراته. ومن أمارات ولايته لعبده : أن يديم توفيقه، حتى لو أراد سوءاً، أو قصد محظوراً، عصمه من ارتكابه. ثم قال : ومن أمارات ولايته : أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه. هـ. قلت :" جعل مآربه عند خطراته : ليس شرطاً ؛ لأن هذا من باب الكرامة، ولا يشترط ظهورها عند المحققين. ورَوى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل، عن ربه ـ عزّ وجل ـ قال :" مَن أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإني لأغضب لهم، كما يغضب الليث الحَرِد(٣) " انظر بقية الحديث في الثعلبي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي