ومن آياته أي : العظيمة على استحقاقه لجميع صفات الكمال خلق السماوات التي تعلمون أنها متعددة لما ترون من أمور الكواكب والأرض أي : جنسها على ما هما عليه من الهيآت وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات وقوله تعالى : وما بث أي : فرق ونشر يجوز أن يكون مجرور المحل عطفاً على السماوات أو مرفوعه عطفاً على خلق على حذف مضاف، أي : وخلق ما بث، قال أبو حيان : وفيه نظر لأنه يؤول إلى جره بالإضافة لخلق المقدر فلا يعدل عنه فيهما أي : في السماوات والأرض من دابة أي : شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة والحركة من الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف ألوانهم وأصنافهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وأقطارهم ونواحيهم، فإن قيل : كيف يجوز إطلاق الدابة على الملائكة ؟ أجيب : بوجوه أولها : ما مر من أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة والملائكة لهم الروح والحركة، ثانيها : أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحداً منهم، ومنه قوله تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ( الرحمان : ٢٢ ) ثالثها : قال ابن عادل : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى خلق في السماوات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.
وروى العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«بين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش » الحديث. وهو أي : لا غيره على جمعهم أي : هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم للمحشر بعد تفريقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره إذا في وقت يشاء قدير أي : بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم يجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينقذهم البصر.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني