ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

قوله تعالى : وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ قرأ نافع وابن عامر برفعه والباقون بنصبه١. وقرئ : بجزمه أيضاً٢. فأما الرفع فواضح جداً، وهو يحتمل وجهين : الاستئناف بجملة اسمية، فتقدر الفعل مبتدأ أي وهو يعلم الذين و«الذين »٣ على الأول فاعل، وعلى الثاني مفعول. وأما قراءة النصب ففيها أوجه :
أحدها : قال الزجاج : على الصرف قال : ومعنى الصرف صرف العطف عن اللفظ إلى العطف على المعنى قال : وذلك أنه لم يحسن عطف «ويعلم » مجزوماً على ما قبله ؛ إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار «أن » ليكون مع الفعل في تأويل اسم٤. وقال البغوي : قرئ بالنصب على الصَّرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب كقوله : وَيَعْلَمَ الصابرين [ آل عمران : ١٤٢ ] نقل من حال الجزم إلى النصب استخفافاً وكراهية توالي الجزم٥.
الثاني : قول الكوفيون : إنه٦ منصوب بواو الصرف يعنون أن الواو نفسها هي الناصبة، لا بإضمار «أنْ » وتقدم معنى الصَّرف.
الثالث : قال الفارسي٧ ونقله الزمخشري٨ عن الزجاج إن النصب على إضمار «إنْ » ؛ لأن قبلها جزاءً تقول : ما تصنع أصنع، وأكرمك وإن شئت : وأكرمك على : وأنا أكرمك، وإن شئت : وأكرمك جزماً.
قال الزمخشري : وفيه نظر ؛ لما أورده سيبويه في كتابه قال : واعلم أنَّ النَّصب بالواو والفاء في قوله : إن تَأْتِنِي آتِكَ، وأُعطِيكَ ضعيفٌ، وهو نحو من قوله :

٤٣٨٦. . . . . . . . . . . . . وَأَلْحَقَ بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا٩
فهذا ( لا )١٠ يجوز، لأنه ليس بحَدِّ الكلام ولا وجه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً ؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه١١. قال الزمخشري : ولا يجوز أن تحصل القراءة المستفيضة على وجةٍ ليس بحدِّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه.
وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة١٢.
الرابع : أن ينتصب عطفاً على تعليل محذوف تقديره : لينتقم منهم ويعلم الذين ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ [ مريم : ٢١ ] وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى [ الجاثية : ٢٢ ] قاله الزمخشري١٣. قال أبو حيان : ويبعد تقديره : لينتقم منهم لأنه مرتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن «لينتقم منهم » وأما الآتيان فيمكن أن تكونت اللام متعلقةً بفعل محذوف تقديره «وَلِنجْعَلَهُ آيَةً فَعَلنَ ذلك، ولتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ فَعَلْنَا ذَلِكَ » وهو كثيراً ( ما )١٤ يقدر هذا الفعل مع هذه اللام إذا لم يكن فعل يتعلق به١٥. وقال شهاب الدين : بل يحسن تقدير : لينتقم ؛ لأنه يعود في المعنى على إهلاك قوم المترتب على الشرط١٦.
وأما الجزم فقال الزمخشري :
فإن قلت كيف يصح المعنى على جزم «وَيَعْلَمْ » ؟ !
قلت : كأنه قيل١٧ : أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور إهلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين١٨. وإذا قرئ بالجزم فيكسر الميم لالتقاء الساكنين.
وقوله : مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ في محل نصب، بسدها مسدَّ مفعولي١٩ العلم.

فصل


المعنى٢٠ وليعلم الذين يجادلون أي يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله عزّ وجلّ بعد البعث لا مهرب لهم من عذاب الله٢١، كما أنه لا مخلص لهم إذا وُقصت السفن وإذا عصفت الرياح، ويكون ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله٢٢.
١ قراءة متواترة أوردها صاحب الإتحاف ٣٨٣ وكذا صاحب السبعة ٥٨١..
٢ قراءة شاذة لم ينسبها الزمخشري في كشافه ٣/٤٧٢ وانظر معاني القرآن للفراء ٣/٢٥ ونقلها القرطبي عن الفراء الذي قال: "ولو جزم "يعلم" جازم كان مصيبا". القرطبي ١٦/٣٤..
٣ الدر ٤/٧٥٩..
٤ لم أجد هذا الرأي منسوبا للزجاج في: معاني القرآن وإعرابه عند هذه الآية ونسبه أبو شامة في: إبراز المعاني لأبي عبيد ٦٧٥ وأبو حيان في البحر المحيط ٧/٥٢١. ولقد مشى المؤلف وحذا حذو صاحب الدر المصون في نسبة هذا الرأي للزجاج. الدر المصون ٤/٧٥٩..
٥ ذكره في معالم التنزيل ٦/١٢٦..
٦ قال ابن هشام في المغني: والواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول، فالأولى كقوله: "للبس عباءة وتقر عيني... البيت".
والثاني: شرطه أن يتقدم الواو نفي أو طلب وسمى الكوفيون هذه الواو واو الصرف، وليس النصب بها خلافا لهم. وقال ابن هشام: والحق أن هذه واو العطف كما سيأتي. المغني ٣٦٠: ٣٦١..

٧ الحجة ٧/٩٩ بلدية..
٨ الكشاف ٣/٤٧٢..
٩ عجز بيت من الوافر للمغيرة بن حبناء صدره:
سأترك منزلي لبني تميم ...............................
وفي المقتضب لأبي العباس: وألحق بالعراق، وشاهده: نصب الفعل أستريح بعد الفاء في غير جواب الأمر والنهي وشبههما وذلك لا يكون إلا في ضرورة فهو ضعيف كما قال سيبويه وانظر ابن يعيش ١/٢٧٩، والخزانة ٨/٥٢٢، والكتاب ٣/٣٩ و٩٢ والأشموني ٣/٣٠٥. والهمع ١/٧٧ و٢/١٠ و١٦ و٧٣ والمقتضب ٢/٢٢ والإفصاح ١٨٤..

١٠ سقطت من ب..
١١ الكتاب ٢/٣٤٢..
١٢ الكشاف ٣/٤٧٢..
١٣ الكشاف السابق..
١٤ لفظ "ما" سقط من ب..
١٥ انظر البحر المحيط ٧/٥٢١..
١٦ الدر المصون ٤/٧٦٠..
١٧ في الكشاف كأنه قال..
١٨ السابق..
١٩ التبيان ١١١٤..
٢٠ في ب يعلم..
٢١ وانظر البغوي ٦/١٢٦..
٢٢ الرازي ٢٧/١٧٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية