ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

المعنى الجملي : بعد أن بين أن المال متاع الدنيا وهو عرض زائل، ونعيم الآخرة هو النعيم الدائم الذي أعده الله للمتقين – ذكر هنا أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله وصار من جلساء الشياطين الضالين المضلين الذين يصدونه عن السبيل القويم، ويظن أنه مهتد، لأنه يتلقى من الشياطين ما يلائم أخلاقه فيألفه ولا ينكره، ثم ذكر أنه إذا جاء يوم القيامة تبرأ الكافر من الشيطان قرينه وقال له : ليت بيني وبينك بعد ما بين المشرقين، ثم أعقب هذا ببيان أن اشتراك الكافر مع قرينه الشيطان في العذاب لا يخفف عنه شيئا منه، لاشتغال كل منهما بنفسه.
ثم ذكر لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم، وقلما تجديهم المواعظ، فإذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم، وإذا أريتهم معجزاتك كانوا كالعمي، وإنما كانوا كذلك لضلالهم المبين ؛ ثم سلى رسوله وبين له أنه لا بد أن ينتقم منهم إما حال حياته أو بعد موته، ثم أمره أن يستمسك بما أمره الله به، فيعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم النافع في الدين والدنيا وفيه الشرف العظيم له ولقومه، وسوف يسألون عما قاموا به من التكاليف التي أمرهم بها، ثم أرشد إلى أن بغض الأصنام وبغض عبادتها جاء على لسان كل نبي، فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من بينهم في الإنكار عليها حتى يعارض ويبغض.
الإيضاح : ثم حكى ما سيقال لهم حينئذ توبيخا وتأنيبا فقال :
ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون أي ولن ينفعكم في هذا اليوم اشتراككم في العذاب أنتم وقرناؤكم، كما كان ينفع في الدنيا الاشتراك في المهام الدنيوية، إذ يتعاونون في تحمل أعبائها، ويتقاسمون شدتها وعناءها، فإن لكل منهم من العذاب ما لا تبلغه طاقته، ولا قدرة له على احتماله.
وقد يكون المعنى : ولن ينفعكم ذلك من حيث التأسي، فإن المكروب في الدنيا يتأسى ويستروح بوجدان المشارك في البلوى، فيقول أحدهم لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا :
يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره بكل مغيب شمس
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
وقصارى ذلك : إنه لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب، إذ لكل منهم الحظ الأوفر منه.
وقد يكون المعنى : ولن ينفعكم اليوم الاعتذار والندم، فأنتم وقرناؤكم مشتركون في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا.
وقد وصفهم فيما سلف بالعشي ووصفهم بالعمي والصمم، من قبل أن الإنسان لاشتغاله بالدنيا يكون كمن حصل بعينيه ضعف في البصر، وكلما زاد انهماكه بها كان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل فقال :

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير