ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

ثم ذكر عتو فرعون وطغيانه، فقال :
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ .
يقول الحق جلّ جلاله : ونادى فرعونُ ، إما بنفسه، أو : أمر مَن ينادي، كقولك : قطع الأميرُ اللصّ. والظاهر أنه نادى بنفسه، في قومه ؛ في مجمعهم وفيما بينهم، بعد أن كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمنوا، قال يا قوم أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهارُ ؛ أنهار النيل، ومعظمها أربعة : نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تييس، تجري من تحتي ؛ تحت سريري ؛ لارتفاعه، أو : بين يدي في جناتي وبساتيني.
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : نيل مصر سيد الأنهار، سخّر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها، وفجّر له الأرض عيوناً، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. قاله في الاكتفاء. ومهبطه من جبل القمر، وقيل : أصله من الجنة، والله تعالى أعلم. وحدُّ مصر : من بحر الإسكندرية إلى أسوان، بطول النيل. والأنهار المذكورة هي الخلجان الكبار، الخارجة من النيل.
وعن عبد الله بن طاهر : أنه لما ولي مصر خرج إليها، فلما شارفها، قال : أهي القرية التي افتخر بها فرعون، حتى قال : أليس لي ملك مصر ؟ والله لهي أقلّ عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه. وعن هارون الرشيد : أنه لما قرأها، قال : والله لأولينّها أخسَّ عبيدي، فولاها الخُصَيْب، وكان خادم وُضوئه.
وهذه الأنهارُ : إما عطف على " ملك مصر "، ف " تجري " : حال منها، أو : واو الحال، ف " هذه " مبتدأ، و " الأنهار " : صفتها و " تجري " : خبر، أفلا تُبصرون قوتي وسلطاني، مع ضعف موسى وقلة أتباعه. أراد بذلك استعظام ملكه وترغيب الناس في اتباعه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : عاقبة التكبُّر والافتخار الذُّل والهوان والدمار، وعاقبة التواضع والانكسار العزُّ والنصرة، انظر إلى فرعون لما تعزّز واستكبر هلك مع قومه في لُجة البحار. قال القشيري : ليعلم أن مَن تعزّز بشيء دون الله فهلاكه وحتْفه فيه، وفرعون لمَّا استصغر موسى وحديثه، وعابَه بالفقر، سلَّطه الله عليه، فكان هلاكه بيده، وما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلط عليه. ثم قال في قوله تعالى : فاستخف قومه فأطاعوه : طاعةٌ الرهبة لا تكون مخلصةً، وإنما تكون الطاعةُ صادقةً إذا صَدَرَتْ عن الرغبة،
فلما آسفونا ؛ أغضبونا، وإنما أراد : أغضبوا أولياءنا، وهذا أصل في باب الجمع، أضاف إغضابهم أولياءه إلى نفسه. وفي الخبر أنه تعالى يقول :" مرضت فلم تعدني " ١ وقال لإبراهيم عليه السلام : يَأْتُوكَ رِجَالاً [ الحج : ٢٧ ] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم : مَّن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [ النساء : ٨٠ ]. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير