ثم تَولوا عنه أي : عن ذلك الرسول، بعدما شاهدوا من العظائم ما يوجب الإقبال عليه، ولم يقنعوا بالتولِّي، بل اقترفوا ما هو أشنع، وقالوا في حقه عليه السلام : مُعَلَّمٌ مجنون أي : قالوا تارة مُعَلَّم يُعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وتارة مجنون، أو : يقول بعضهم كذا، وبعضهم كذا، وكيف يتوقع من قوم هذه صفتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير ؟ !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : فارتقب أيها العارف يوم تأتي السماء بدخان مبين أي : يوم يبرز من سماء الغيوب بدخان الحس، وظلمة الأسباب تغشى قلوب الناس، فتحجبهم عن شمس العرفان، هذا عذاب أليم موجع للقلوب، حيث حجبها عن حضرة علاّم الغيوب. وأما العارف فشمسه ضاحية، ونهاره مشرق على الدوام، كما قال شاعرهم :| لَيلِي بوجهكَ مشْرقٌ | وظلامُهُ في الناس سَارِ |
| الناسُ في سَدَفِ الظَّلامِ | ونحنُ في ضوءِ النَّهارِ |
وقال آخر :| طَلَعتْ شَمْسُ مَن أُحبُّ بِليلٍ | فَاسْتَنارَتْ فما تلاها غُروبُ |
| إِن شمسَ النَّهارِ تَغْربُ بِليلٍ | وشَمسُ القُلوبِ لَيْسَت تغِيبُ |
قال القَشيري : قيامة هؤلاء - أي الصوفية - مُعَجَّلة لهم، يوم تأتي السماء فيه بدخان، مبين، وهو باب غيبة الأخبار، وانسداد باب ما كان مفتوحاً من الأنس بالأحباب. قلت : وأحسن من عبارته أن تقول : وهو باب غيبة الأنوار، وانسداد منبع الأسرار. ثم قال : وفي معناه قالوا :| فلاَ الشمس شَمْسٌ تستنيرُ ولا الضحى | بطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة بباردِ |
هـ.
وقوله تعالى : ربنا اكشف عنا العذاب قال القشيري : وقد يستزيد هؤلاء العذاب على العكس من أحوال الخلق، وفي ذلك أنشدوا :| وكلُّ مآربي قدْ نِلْتُ مِنها | سِوى مُلكِ وَدِّ قَلْبي بالعذاب |
فهم يسألون البلاء بدل ما يستكشفه الخلق، وأنشدوا :| أَنْتَ البلاَءُ فكيف أرجو كَشْفه | إنَّ البلاء إذا فقدتُ بلائي |
هـ.
قلت : وأصرح منه قول الشاعر :| يا مَنْ عَذَابي عذبٌ في مَحَبَّته | لاَ أشْتكِي منك لا صَدّاً ولا مَلَلا |
وقول الجيلاني رضي الله عنه :| تَلَذُّ ليَ الآلامُ إِذ كنتَ مُسقِمي | وَإن تَخْتبِرني فهي عِنْدي صنَائِعُ |
| تَحكَّمْ بما تَهْواه فيَّ فإنني | فَقِيرٌ لِسلطانِ المحبة طائِعُ |
قوله تعالى : أنَّى لهم الذكرى أي : كيف يتّعظ مَن تنكَّب عن صحبة الرجال، وملأ قلبه بالخواطر والأشغال ؟ وقد جاءهم مَن يدعوهم إلى الكبير المتعال، فأنكروه، وقالوا : مُعَلَّمٌ مجنون، إنا كاشفو العذاب عن قلوبهم من الشكوك والخواطر قليلاً، حين يتوجهون إلينا، ويفزعون إلى بابنا، أو يسمعون مِن بعض أوليائنا، ثم تكثر عليهم الخواطر، حين تنقشع عنهم سحابة أمطار الواردات من قلوب أوليائنا، إنكم عائدون إلى ما كنتم عليه، يوم نبطش البطشة الكبرى هي خطفة الموت، فلا ينفع فيها ندم ولا رجوع، بل يورثهم حزناً طويلاً، فلا يجدون في ظلال انتقامنا مقيلاً، فننتقم ممن أعرض بسريرته عن دوام رؤيتنا.