وآتيناهم من الآيات كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من عظائم الآيات، ما فيه بلاء مبين نعمة ظاهرة، أو : اختبار ظاهر، لينظر كيف يعملون، وقيل : البلاء المبين هو المطالبة بالشكر عند الرضا، والصبر عند الكدر والعناء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كم ترك أهلُ الغفلة والاغترار، من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، من قصور وديار، فارقوها، أخصب ما كانوا فيها، وأُزعجوا عنها أحوج ما كانوا إليها، استبدلوا سعة القصور بضيق اللحود والقبور، ومحاسن الملابس والتيجان بعصائب الخِّرق والأكفان، فيا مَن ركن إلى الدنيا، انظر كيف تفعل بأهلها، فرحم الله عبداً أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، وتزوّد للرحيل، وتأهّب للمسير.
ذكر الطرطوسي في كتابه " سراج الملوك " : قال أبو عبد الله بن حمدون : كنتُ مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً إلى رصافة " هشام بن عبد الملك " فنظر إلى قصورها خاوية، ثم خرج فنظر إلى دير هناك قديم، حسن البناء، بين مزارع وأشجار، فدخله، فبينما هو يطوف به، إذ بَصُر برقعة قد التصقت بصدره، فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات :| أَيا مَنْزلاً بالدّيْرِ أَصْبَحَ خَالياً | تَلاعَبَ فيه شمألُ ودِفُورُ |
| كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بيضٍ نَوَاعمٌ | وَلَمْ يَتَبَخْتَر في قِبابِكَ حُورُ |
| وأَبْنَاءُ أَمْلاكِ غَواشِمُ سَاداتٍ | صَغِيرهم عِندَ الأنَامِ كَبِيرُ |
| إذَا لَبسوا أَدْرَاعَهم، فعَوَابسٌ | وَإن لَبسوا تيجانَهمْ فَبُدورُ |
| علَى أنَّهم يَومَ اللِّقاء ضَرَاغِمٌ | وأَنَّهم يوم النَّوالِ بُحورُ |
| ليالي هِشامٌ بالرّصاَفَةٍ قاطنٌ | وفيك ابنه يا دَيْرَ وَهُوَ أَميرُ |
إلى أن قال :| بلَى فسقاكِ الْغيثُ صَوب سحائبٍ | عَلَيْك بِها بَعد الرَّواحِ بُكْورُ |
| تَذَكَّرْتُ قَومي فيكما فَبَكيتهم | بشَجْوٍ ومثْلِي بالبُكَاءِ جديرُ |
| فعَزيْتُ نَفْسِي وهْي نَفَسٌ إذا جَرى | لَها ذِكْر قَومِي أَنَّةٌ وزفِيرُ |
فلما قرأها المتوكل ارتاع، ثم دعا صاحب الدير، فسأله : مَن كتبها ؟ فقال : لا علم لي، وانصرف هـ.
ومن هذا القبيل ما وجد مكتوباً على باب " كافور الإخشيدي " بمصر :| انْظر إلى عِبرِ الأيَّامِ مَا صنعتْ | أَفْنَتْ أنَاساً بها كانوا ومَا فنيتْ |
| دِيارهم ضَحِكَتْ أَيَّامَ دولتِهِمْ | فإِذا خلَتْ مِنْهُم صاحتهم وبَكَتْ |
ومن هذا أيضاً ما وُجد على قَصر " ذي يزن " مكتوباً :| بَاتوا على قُلَل الأجْبَال تَحْرسُهمْ | غُلْبُ الرجال فلمْ تمنعْهم الْقُلَل |
| واستُنزلوا منْ أَعالِي عز معْقلهمْ | فأُسْكِنوا حُفراً، يا بِئْسَ ما نَزَلوا |
| أَيْنَ الْوجوه التي كانت محَجَّبةً | من دُونِها تُضْرَبُ الأستارُ والكلل ؟ |
| فأَفْصح القبرُ عَنْهم حين سائلهم | تِلْك الوجوه عَلَيْهَا الدود تقتبلُ |
| قد طالَ ما أَكَلوا دهراً وما شَرِبُوا | فَأصبحوا بَعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكلوا |
وحاصل الدنيا ما قال الشاعر :| أَلاَ إِنَّما الدنيا كأَحْلامِ نَائِم | وَمَا خَيْر عَيْشٍ لاَ يَكونُ بِدائم ؟ ! |
| تَأمَّلْ إذَا ما نِلْت بالأمْسِ لَذَّةً | فَأفنَيْتها هَلْ أَنْتَ إلا كَحَالِم ؟ ! |
هذه فكرة اعتبار، وأما فكرة استبصار، فما ثَمَّ إلا تصرفات الحق، ومظاهر أسرار ذاته، وأنوار صفاته، ظهرت في عالم الحكمة بالأشكال والرسوم، وأما في عالم القدرة فما ثَمَّ إلا الحي القيوم. | تَجلّى حَبِيبي فِي مرائي جَمَالهِ | فَفِي كلِّ مَرئيٍّ لِلحَبِيبِ طَلاَئِعُ |
| فلَمَّا تَبَدَّى حُسْنهُ متنوِّعاً | تَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ فهن مَطَالِعُ |
وقوله تعالى : فما بكت عليهم السماء والأرض يُفهم منه : أن من عظم قدره تبكي على فقده السموات والأرض ومَن فيهن، في عالم الحس، الذي هو عالم الأشباح، وتفرح به أهل السموات السبع في عالم الأرواح ؛ لتخلُّصه إليها، فيستبشر بقدومه كل مَن هنالك، وينظر اللّهُ إلى خلقه بعين الرحمة، فيرتحم ببركة قدومه الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.
وقوله تعالى : ولقد اخترناهم على علم قال القشيري : ويُقال : على علم بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا، ويقال : على علم بما نُودع عندهم من أسرارنا، ونكاشفهم به من حقائق حقنا.
وقال الورتجبي : ولقد اخترناهم على علم أي : على علم بصفاتنا، ومعرفة بذاتنا، ومشاهدة على أسرارنا، وبيان على معرفة العبودية والربوبية، ودقائق الخطرات والقهريات واللطيفات في زمان المراقبات. هـ.
وقال الواسطي : اخترناهم على علم منا بجنايتهم، وما يقترفون من أنواع المخالفات، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا لهم، ليُعلم أن الجنايات لا تؤثر في الرعايات. وقال الجرّار : علما ما أودعنا فيهم من خصائص سرنا، فاخترناهم بعلمنا على العالمين. هـ. قلت : والمقصود بالذات : بيان أن اختياره - تعالى - مرتّب على سابق علمه الأزلي، وعلمه - تعالى - لا تُغيره الحوادث، وقد انقطعت دولة بني إسرائيل، فما بقي الكلام إلا مع الملة المحمدية.
الإشارة : كم ترك أهلُ الغفلة والاغترار، من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، من قصور وديار، فارقوها، أخصب ما كانوا فيها، وأُزعجوا عنها أحوج ما كانوا إليها، استبدلوا سعة القصور بضيق اللحود والقبور، ومحاسن الملابس والتيجان بعصائب الخِّرق والأكفان، فيا مَن ركن إلى الدنيا، انظر كيف تفعل بأهلها، فرحم الله عبداً أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، وتزوّد للرحيل، وتأهّب للمسير.
ذكر الطرطوسي في كتابه " سراج الملوك " : قال أبو عبد الله بن حمدون : كنتُ مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً إلى رصافة " هشام بن عبد الملك " فنظر إلى قصورها خاوية، ثم خرج فنظر إلى دير هناك قديم، حسن البناء، بين مزارع وأشجار، فدخله، فبينما هو يطوف به، إذ بَصُر برقعة قد التصقت بصدره، فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات :
| أَيا مَنْزلاً بالدّيْرِ أَصْبَحَ خَالياً | تَلاعَبَ فيه شمألُ ودِفُورُ |
| كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بيضٍ نَوَاعمٌ | وَلَمْ يَتَبَخْتَر في قِبابِكَ حُورُ |
| وأَبْنَاءُ أَمْلاكِ غَواشِمُ سَاداتٍ | صَغِيرهم عِندَ الأنَامِ كَبِيرُ |
| إذَا لَبسوا أَدْرَاعَهم، فعَوَابسٌ | وَإن لَبسوا تيجانَهمْ فَبُدورُ |
| علَى أنَّهم يَومَ اللِّقاء ضَرَاغِمٌ | وأَنَّهم يوم النَّوالِ بُحورُ |
| ليالي هِشامٌ بالرّصاَفَةٍ قاطنٌ | وفيك ابنه يا دَيْرَ وَهُوَ أَميرُ |
إلى أن قال :| بلَى فسقاكِ الْغيثُ صَوب سحائبٍ | عَلَيْك بِها بَعد الرَّواحِ بُكْورُ |
| تَذَكَّرْتُ قَومي فيكما فَبَكيتهم | بشَجْوٍ ومثْلِي بالبُكَاءِ جديرُ |
| فعَزيْتُ نَفْسِي وهْي نَفَسٌ إذا جَرى | لَها ذِكْر قَومِي أَنَّةٌ وزفِيرُ |
فلما قرأها المتوكل ارتاع، ثم دعا صاحب الدير، فسأله : مَن كتبها ؟ فقال : لا علم لي، وانصرف هـ.
ومن هذا القبيل ما وجد مكتوباً على باب " كافور الإخشيدي " بمصر :
| انْظر إلى عِبرِ الأيَّامِ مَا صنعتْ | أَفْنَتْ أنَاساً بها كانوا ومَا فنيتْ |
| دِيارهم ضَحِكَتْ أَيَّامَ دولتِهِمْ | فإِذا خلَتْ مِنْهُم صاحتهم وبَكَتْ |
ومن هذا أيضاً ما وُجد على قَصر " ذي يزن " مكتوباً :
| بَاتوا على قُلَل الأجْبَال تَحْرسُهمْ | غُلْبُ الرجال فلمْ تمنعْهم الْقُلَل |
| واستُنزلوا منْ أَعالِي عز معْقلهمْ | فأُسْكِنوا حُفراً، يا بِئْسَ ما نَزَلوا |
| أَيْنَ الْوجوه التي كانت محَجَّبةً | من دُونِها تُضْرَبُ الأستارُ والكلل ؟ |
| فأَفْصح القبرُ عَنْهم حين سائلهم | تِلْك الوجوه عَلَيْهَا الدود تقتبلُ |
| قد طالَ ما أَكَلوا دهراً وما شَرِبُوا | فَأصبحوا بَعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكلوا |
وحاصل الدنيا ما قال الشاعر :| أَلاَ إِنَّما الدنيا كأَحْلامِ نَائِم | وَمَا خَيْر عَيْشٍ لاَ يَكونُ بِدائم ؟ ! |
| تَأمَّلْ إذَا ما نِلْت بالأمْسِ لَذَّةً | فَأفنَيْتها هَلْ أَنْتَ إلا كَحَالِم ؟ ! |
هذه فكرة اعتبار، وأما فكرة استبصار، فما ثَمَّ إلا تصرفات الحق، ومظاهر أسرار ذاته، وأنوار صفاته، ظهرت في عالم الحكمة بالأشكال والرسوم، وأما في عالم القدرة فما ثَمَّ إلا الحي القيوم.
| تَجلّى حَبِيبي فِي مرائي جَمَالهِ | فَفِي كلِّ مَرئيٍّ لِلحَبِيبِ طَلاَئِعُ |
| فلَمَّا تَبَدَّى حُسْنهُ متنوِّعاً | تَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ فهن مَطَالِعُ |
وقوله تعالى :
فما بكت عليهم السماء والأرض يُفهم منه : أن من عظم قدره تبكي على فقده السموات والأرض ومَن فيهن، في عالم الحس، الذي هو عالم الأشباح، وتفرح به أهل السموات السبع في عالم الأرواح ؛ لتخلُّصه إليها، فيستبشر بقدومه كل مَن هنالك، وينظر اللّهُ إلى خلقه بعين الرحمة، فيرتحم ببركة قدومه الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.
وقوله تعالى :
ولقد اخترناهم على علم قال القشيري : ويُقال : على علم بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا، ويقال : على علم بما نُودع عندهم من أسرارنا، ونكاشفهم به من حقائق حقنا.
وقال الورتجبي :
ولقد اخترناهم على علم أي : على علم بصفاتنا، ومعرفة بذاتنا، ومشاهدة على أسرارنا، وبيان على معرفة العبودية والربوبية، ودقائق الخطرات والقهريات واللطيفات في زمان المراقبات. هـ.
وقال الواسطي : اخترناهم على علم منا بجنايتهم، وما يقترفون من أنواع المخالفات، فلم يؤثر ذلك في سوابق علمنا لهم، ليُعلم أن الجنايات لا تؤثر في الرعايات. وقال الجرّار : علما ما أودعنا فيهم من خصائص سرنا، فاخترناهم بعلمنا على العالمين. هـ. قلت : والمقصود بالذات : بيان أن اختياره - تعالى - مرتّب على سابق علمه الأزلي، وعلمه - تعالى - لا تُغيره الحوادث، وقد انقطعت دولة بني إسرائيل، فما بقي الكلام إلا مع الملة المحمدية.