نعم وابتلاء
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( ٣٠ ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( ٣١ ) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ٣٢ ) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ( ٣٣ )
تمهيد :
في أعقاب غرق فرعون، يتحدث القرآن عن أنعم الله على بني إسرائيل، فقد نجاهم الله من العذاب المخزي، حيث كان فرعون يقتل أطفالهم الذكور خوفا منهم، ويترك الإناث أحياء للخدمة، وفي ذلك بلاء أي بلاء، حيث لا تجد الإناث رجالا يتقدمون للزواج منهن، ويترتب على ذلك فساد وحرمان وإذلال، بسبب تجبر فرعون وإسرافه في الشر والعدوان، وقد اخترنا بني إسرائيل لدور فيه كرامة، على معرفة بعنادهم وصلفهم، وأظهرنا لهم معجزات باهرة، مثل : فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى.
المفردات :
الآيات : المعجزات، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى.
بلاء مبين : اختبار ظاهر.
التفسير :
٣٣- وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين .
أعطيناهم من المعجزات والكرامات ما فيه اختبار ظاهر، حيث أنزل الله عليهم المن والسلوى، واستخلفهم في جانب من أرض الشام، حتى إذا تم امتحانهم وانقضت فترة استخلافهم، أخذهم الله بانحرافهم، وسلط عليهم من ينتقم ويشردهم في الأرض، وكتب عليهم الذلة والمسكنة وتوعدهم أن يعودوا إلى النكال والتشريد كلما بغوا في الأرض إلى يوم الدين.
في أعقاب التفسير فساد بني إسرائيل في الأرض
نلاحظ أن اليهود يتمسكون بمثل هذه الآيات التي تفيد أن الله اصطفاهم واختارهم على علم لهم، وفضلهم على العالمين، وروح القرآن تفيد أن الله اختارهم واصطفاهم عندما أطاعوا موسى، واتبعوا تعاليم التوراة فأورثهم الأرض، وما إن تمكنوا وصلح حالهم حتى استبدوا وفسدوا ؛ فسلط الله عليهم من ينتقم منهم انتقاما بليغا، وتوعدهم بهذه العقوبة كلما عادوا إلى الفساد.
وفي صدر سورة الإسراء أفاد القرآن الكريم ما يأتي :
( أ ) لبني إسرائيل إفساد في الأرض متكرر، وهناك مرتان هما أعلى هذا الإفساد.
( ب ) يسلط الله عليهم في الإفساد الأول من ينتقم منهم ويخرب ديارهم.
( ج ) يستردون عافيتهم، ويمدهم الله بالمال والرجال.
( د ) كلما عادوا إلى الإساءة سلط الله عليهم من ينتقم منهم، ومن يخرب هيكلهم ومن يهدم ممتلكاتهم.
ويفيد المؤرخون أن أفضل أيام بني إسرائيل كانت أيام ملك داود وسليمان عليهما السلام، ثم كان الإفساد الأول حيث سلط الله عليهم بختنصر البابلي سنة ٦٠٦ قبل الميلاد، ثم ساعدهم قدرش الفارسي الذي تزوج من يهودية، فحسنت له مساعدة اليهود حتى استردوا ملكهم وأعادوا بناء هيكلهم سنة ٥٢٦ قبل الميلاد، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى الإفساد والظلم، ثم سلط الله عليهم في الإفساد الثاني الرومان بقيادة تيطس سنة ٧٠ م، وقد كان إذلالهم في المرة الثانية أشد وأنكى، وقد تفرق اليهود في البلاد بعد هزيمتهم الثانية وأصبح تاريخهم ملحقا بتاريخ الممالك التي نزلوا فيها، ولم يرجع اليهود إلى فلسطين إلا في العصر الحديث.
الآيات التي تحدثت عن فساد بني إسرائيل :
قال تعالى : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ( ٤ ) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ( ٥ ) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ( ٦ ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ( ٧ ) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ( ٨ ) . ( الإسراء : ٤-٨ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته