ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

قال تعالى : أَهُم خيرٌ أم قومُ تُبَّع ردّ لقولهم وتهديد لهم، أي : أهم خير في القوة والمنعة، اللتين يدفع بهما أساب الهلاك، أم قوم تُبع الحميري ؟ وكان سار بالجيوش حتى حيّر الحيرة، وبنى سمرقند، وقيل : هدمها، وكان مؤمناً وقومه كافرين، ولذلك ذمّهم الله تعالى دونه، وكان يكتب في عنوان كتابه : بسم الله الذي ملك برّاً وبحراً ومضحاً وريحاً.
قال القشيري : كان تُبَّع ملك اليمن، وكان قومه فيهم كثرة، وكان مسلماً، فأهلك اللّهُ قومَه على كثرة عددهم وكمال قوتهم. ه. روي عنه عليه السلام أنه قال :" لا تسبُّوا تُبعاً فإنه كان مؤمناً " ١ ه وقيل : كان نبيّاً، وفي حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال :" لا أدري تُبعاً كان نبيّاً أو غير نبي " ٢.
وذكر السهيلي : أن الحديث يُؤذن بأنه واحد بعينه، وهو - والله أعلم - أسعد أبو كرب، الذي كسا الكعبة بعدما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة، وأراد خرابها، ثم انصرف عنها، لما أخبر أنها مهاجَر نبي اسمه " أحمد " وقال فيه شعراً، وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فأدُّوه إليه. ويقال : كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب الأنصاري : حتى نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه، وفي الكتاب الشعر، وهو :

شَهِدتُ عَلَى أَحمَدٍ أَنه رَسولٌ مِنَ الله بارِي النَّسمْ
فَلَو مُدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرهِ لكنتُ وزيراً له وابن عَمْ
وأَلْزَمتُ طَاعَتَه كلَّ مَن عَلَى الأَرْضِ، مِنْ عُرْبٍ وعَجمْ
ولَكِن قَوْلي له دَائماً سَلاَمٌ عَلَى أَحْمَدٍ في الأمَمْ
وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا : أنه حُفر قبرٌ بصنعاء في الإسلام، فوجد فيه امرأتان، وعند رؤوسهما لوح من فضة، مكتوب فيه بالذهب اسمهما، وأنهما بنتا تُبع، تشهدان ألا إله إلا الله، ولا تُشركان به شيئاً، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. ه. ويقال لملوك اليمن : التبابعة ؛ لأنهم يُتبعون، ويقال لهم : الأقيال لأنهم يتقيلون. ه.
والذين مِن قبلهم عطف على " قوم تُبع "، والمراد بهم عاد وثمود، وأضرابهم من كل جبار عنيد، أُولي بأس شديد، أهلكناهم بأنواع من العذاب إِنهم كانوا مجرمين تعليل لإهلاكهم، ليعلم أن أولئك حيث أهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، فكان مهلكَ هؤلاء - وهم شركاؤهم في الإجرام، مع كونهم أضعف منهم في الشدة والقوة - أولى.
قال الطيبي : لما أنكر المشركون الحشر، بقولهم : إن هي إلا موتتنا الأولى وبَّخهم بقوله : أهم خير أم قوم تبع إيذاناً بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر، بل عن مجرد حب العاجلة، والتمتُّع بملاذ الدنيا، والاغترار بالمال والمآل والقوة والمنعة، أي : كما فعل بمَن سلك قبلَهم من الفراعنة والتبابعة حتى هلكوا، كذلك يفعل بهؤلاء إن لم يرتدعوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كانت الجاهلية تُنكر البعث الحسي، والجهلة اليوم ينكرون البعث المعنوي، ويقولون : إن هي إلا موتتنا الأولى أي : موت قلوبنا وأرواحنا بالجهل والغفلة، فكيف يكون الرجل منهمكاً في المعاصي، ميت القلب، ثم ينقذه الله ويُحييه بمعرفته، حتى يصير وليّاً من أوليائه مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " أهم خير أم قوم تُبع ؟ وقد أخرج الله من قومه أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم، وكانوا من خواص أحبابه، حتى قال :" الناس دثار والأنصار شِعار، لو سلك الناسُ وادياً أو شِعباً، وسلكتْ الأنصارُ وادياً، لسلكتُ واديَ الأنصار وشِعبهم " ١. وما خلقنا الأجرام العظام إلا لتدل على كمال قدرتنا، والسلام.

١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٣٤٠..
٢ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨/٣٢٩، والحاكم في المستدرك ١/٣٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير