ما خلقناهما إِلا بالحق أي : ما خلقناهما ملتبساً بشيء من الأشياء إلا ملتبساً بالحق، أو : ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، الذي هو الإيمان والطاعة في الدنيا، والبعث والجزاء في العقبى.
قال الطيبي : وقد سبق مراراً : أنه ما خلقهما إلا ليوحَّد ويُعبَد، ثم لا بد أن يجزي المطيع والعاصي، وليست هذه دار الجزاء. وقال ابن عرفة : قوله : إلا بالحق أي : إلا مصاحبين للدلالة على النشأة الآخرة، وهي حق. ه. ولكن أكثرهم لا يعلمون أنهن خُلقن لذلك، بل عبثاً، تعالى الله عن ذلك.
الإشارة : كانت الجاهلية تُنكر البعث الحسي، والجهلة اليوم ينكرون البعث المعنوي، ويقولون : إن هي إلا موتتنا الأولى أي : موت قلوبنا وأرواحنا بالجهل والغفلة، فكيف يكون الرجل منهمكاً في المعاصي، ميت القلب، ثم ينقذه الله ويُحييه بمعرفته، حتى يصير وليّاً من أوليائه مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " أهم خير أم قوم تُبع ؟ وقد أخرج الله من قومه أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم، وكانوا من خواص أحبابه، حتى قال :" الناس دثار والأنصار شِعار، لو سلك الناسُ وادياً أو شِعباً، وسلكتْ الأنصارُ وادياً، لسلكتُ واديَ الأنصار وشِعبهم " ١. وما خلقنا الأجرام العظام إلا لتدل على كمال قدرتنا، والسلام.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي