ووصينا الإنسان بوالديه ، لما ذكر التوحيد عطف عليه بالوصية بالوالدين كقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا الآية ( الإسراء : ٢٣ ) وقوله : أن أشكر لي ولوالديك ( لقمان : ١٤ )، إحسانا ، منصوب بوصينا بأنه بمعنى ألزمناه الحسن في أبويه، حملته أمه كرها ووضعته١ كرها ، نصب على الحال، أي : ذات كره، أو صفة لمصدر، أي : حملا ذا كره ومشقة، وحمله وفصاله ، أي : مدتهما، والفصال : الفطام، ثلاثون شهرا فأقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط عنه حولان كاملان لمن أراد أن يتم الرضاعة بقي ذلك، وفي سورة لقمان وفصاله في عامين ( لقمان : ١٤ ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : وإذا وضعت بعد تسعة أرضعت إحدى وعشرين، وإذا وضعت بعد ستة أرضعت أربعة وعشرين، حتى إذا بلغ أشده : استحكم قواه واكتهل، قيل : هو ما بين ثماني عشر إلى أربعين، وقيل : ثلاث وثلاثون إلى أرٍبعين، وهو غايته، وبلغ أربعين٢ سنة قال رب أوزعني : ألهمني، أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ، والنعمة : الهداية والإسلام، وأن أعمل صالحا٣ ترضاه وأصلح٤ لي في ذريتي ، اجعل لي الصلاح ساريا فيهم، إني تبت إليك وإني من المسلمين ، قيل : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، اجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة، وهذا إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد الإنابة إلى الله تعالى : فقد ورد " من بلغ الأربعين، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار " ٥،
٢ أي: المحسن في سن كمال العقل/١٢..
٣ وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة، أن يستكثر من هذه الدعوات/١٢ فتح..
٤ اعلم أن مراتب السعادات ثلاثة: أكملها النفسانية، وأوسطها البدنية، وأدونها الخارجية، والسعادات النفسانية: هو اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه، والسعادات البدنية: هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة، والسعادات الخارجية: هي سعادة الأهل والولد، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه /١٢ كبير..
٥ "موضوع" ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، (١/١٧٨)، والسيوطي في "اللآلئ المصنوعة"، (١/٧١)..
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين