ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً قرأ الجمهور حسناً بضم الحاء، وسكون السين. وقرأ عليّ، والسلمي بفتحهما، وقرأ ابن عباس، والكوفيون إحساناً وقد تقدّم في سورة العنكبوت : وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً [ العنكبوت : ٨ ] من غير اختلاف بين القراء، وتقدّم في سورة الأنعام، وسورة بني إسرائيل وبالوالدين إحسانا [ الإسراء : ٢٣، الأنعام : ١٥١ ] فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء في هذه الآية، وعلى جميع هذه القراءات، فانتصابه على المصدرية : أي وصيناه أن يحسن إليهما حسناً، أو إحساناً. وقيل : على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى ألزمنا، وقيل : على أنه مفعول له حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً قرأ الجمهور كرها في الموضعين بضم الكاف. وقرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز بفتحهما. قال الكسائي : وهما لغتان بمعنى واحد. قال أبو حاتم : الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال : لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلاّ التي في سورة البقرة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ [ البقرة : ٢١٦ ] وقيل : إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. وإنما ذكر سبحانه حمل الأمّ ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى : أنها حملته ذات كره، ووضعته ذات كره، ثم بيّن سبحانه مدّة حمله وفصاله فقال : وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً أي مدتهما هذه المدّة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع، أي يفطم عنه. وقد استدلّ بهذه الآية على أن أقلّ الحمل ستة أشهر ؛ لأن مدّة الرضاع سنتان، أي مدّة الرضاع الكامل، كما في قوله : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة [ البقرة : ٢٣٣ ] فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدّة الحمل، وأكثر مدّة الرضاع. وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب ؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدّة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك. قرأ الجمهور وفصاله بالألف، وقرأ الحسن، ويعقوب، وقتادة، والجحدري ( وفصله ) بفتح الفاء، وسكون الصاد بغير ألف، والفصل والفصال بمعنى : كالفطم والفطام، والقطف والقطاف حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي بلغ استحكام قوّته وعقله، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بدّ من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي عاش واستمرّت حياته حتى بلغ أشدّه، قيل : بلغ عمره ثماني عشرة سنة، وقيل : الأشد الحلم قاله الشعبي، وابن زيد.
وقال الحسن : هو بلوغ الأربعين، والأوّل أولى لقوله : وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد. قال المفسرون : لم يبعث الله نبياً قط إلاّ بعد أربعين سنة قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أي ألهمني. قال الجوهري : استوزعت الله فأوزعني، أي استلهمته فألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَيَّ أي ألهمني شكر ما أنعمت به عليّ من الهداية، وعلى والديّ من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً. وقيل : أنعمت عليّ بالصحة والعافية، وعلى والديّ بالغنى والثروة، والأولى عدم تقييد النعمة عليه، وعلى أبويه بنعمة مخصوصة وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه أي وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه مني وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي أي اجعل ذرّيتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، وقد روي أنها نزلت في أبي بكر، كما سيأتي في آخر البحث إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ من ذنوبي وَإِنّي مِنَ المسلمين أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أبو يعلى، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي :«انطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، يحطّ الله تعالى عن كل يهوديّ تحت أديم السماء الغضب الذي عليه»، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد ثلاثاً، فقال :«أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفي آمنتم أو كذبتم»، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه، فقال : كما أنت يا محمد فأقبل، فقال ذلك الرجل : أيّ رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود، فقالوا : والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدّك، قال : فإني أشهد بالله أنه النبيّ الذي تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، قالوا : كذبت، ثم ردّوا عليه وقالوا شراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كذبتم لن يقبل منكم قولكم»، فخرجنا ونحن ثلاثة : رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله إلى قوله : لاَ يَهْدِى القوم الظالمين وصححه السيوطي. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلاّ لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال : نزل فيّ آيات من كتاب الله نزلت فيّ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل ، ونزل فيّ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب [ الرعد : ٤٣ ]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل قال : عبد الله بن سلام. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية، فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : قال ناس من المشركين : نحن أعزّ ونحن ونحن، فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ . وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال : كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله : يقال لها زنيرة، وكان عمر يضربها على الإسلام، وكان كفار قريش يقولون : لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ الآية. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة، يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أوّل الناس فيه».
وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : نزل قوله : وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه الآية إلى قوله : وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ في أبي بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال : إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر : لم تظلم ؟ قال : كيف ؟ قلت اقرأ : وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [ البقرة : ٢٣٣ ] كم الحول ؟ قال : سنة، قلت : كم السنة ؟ قال : اثنا عشر شهراً، قلت : فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ؛ ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدّم ما شاء، فاستراح عمر إلى قولي. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول : إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله يقول : وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً . وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصدّيق حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي الآية، فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعاً وإخوته، وولده كلهم، ونزلت فيه أيضاً فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى إلى آخر السورة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية