أولئك أي : العالون الرتبة، القائلون هذا القول أبو بكر، وغيره الذين نتقبّل بأسهل وجه عنهم وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في قبوله عمل المعتني، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله تعالى : أحسن ما عملوا أي : أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا.
فإن قيل : كيف قال الله تعالى أحسن والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه ؟.
أجيب بوجهين أحدهما : أنّ المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى : واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم ( الزمر : ٥٥ ) وكقوله : الناقص والأشج أعدلا بني مروان. أي : عادلا بني مروان.
ثانيهما : أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. والأحسن ما يغاير ذلك، وهو المندوب، أو الواجب.
ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسناً، نبه على ذلك بقوله تعالى : ويتجاوز أي بوعد لا خلف فيه عن سيئاتهم أي : فلا يعاقبهم عليها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي : بنون مفتوحة قبل الفوقية من يتقبل ونصب أحسن ، ونون مفتوحة قبل الفوقية من يتجاوز والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من يتقبل ، و يتجاوز ورفع أحسن وقوله تعالى : في أصحاب الجنة في محل الحال أي : كائنين في جملة أصحاب الجنة. كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي : في جملتهم. وقيل : خبر مبتدأ مضمر أي : هم في أصحاب الجنة وقوله تعالى : وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنّ قوله تعالى : أولئك الذين يتقبل عنهم في معنى الوعد. فيكون قوله تعالى : يتقبل ، و يتجاوز وعداً من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. والمعنى يعامل من صفته ما قدّمنا بهذا الجزاء. وذلك وعد من الله تعالى صدق، لكونه مطابقاً للواقع الذي كانوا يوعدون أي : يقع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ( التوبة : ٧٢ ).
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني