ثم ذكر وبال من تمتع بدنياه، وأعرض عن أخراه، فقال :
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ .
يقول الحق جلّ جلاله : واذكر أخا عاد وهو هود عليه السلام إِذا أنذر قومه بدل اشتمال أي : وقت إنذاره قومه بالأحقاف جمع حِقْف، وهو رمل مستطيل فيه انحناء، من : احقوقف الشيء إذا اعوجَّ، وكان عاد أصحاب عُمُد، يسكنون بين رمال مُشرفة على البحر، بأرض يُقال لها :" الشِّحْر " بأرض اليمن. وعن ابن عباس : الأحقاف : واد بين عُمان ومَهْرَة، وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن، في حضرموت، بموضع يقال له : مَهْرة، وإليه تنسب الإبل المهرية، ويقال لها : المهاري، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إِرَم، والمشهور : أن الأحقاف اسم جبل ذا رمل مستطيل، كانت منازل عاد حوله.
وقد خَلَتْ النُذر جميع نذير، بمعنى المنذر، أي : مضت الرسل، من بين يديه ومن خلفه أي : من قبل هود ومَن بعده، وقوله : وقد خلت. . الخ : جملة معترضة بين إنذار قومه وبين قوله : ألاَّ تعبدوا إلا اللّهَ مؤكدة لوجوب العمل بموجب الإنذار، وإيذاناً باشتراكهم في العبادة المذكورة، والمعنى : واذكر لقومك إنذار هود قومَه عاقبةَ الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر مَن تقدمه مِن الرسل، ومَن تأخر عنه قومهم قبل ذلك. إني أخاف عليكم إن عصيتموني عذابَ يومٍ عظيم يوم القيامة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي