[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٢]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)وقوله عز وجل: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ... الآية، المعنى: واذكر يومَ يُعْرَضُ، وهذا العرض هو بالمباشرة أَذْهَبْتُمْ أي: يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا و «الطَّيِّبَاتُ» هنا: المَلاَذُّ، وهذه الآية، وإنْ كانت في الكُفَّار، فهي رادعة لأُولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمالِ الطَّيِّبَاتِ ومن ذلك قولُ عُمَرَ- رضي اللَّه عنه-: أتَظُنُّونَ أَنَّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَّعَامِ؟ ذلك لُبَابُ البُرِّ بِصِغَارِ المعزى، ولكنِّي رأيتُ اللَّه تعالى نعى على قومٍ أَنَّهم أَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حياتِهِمُ الدنيا، ذكَرَ هذا في كلامِهِ مع الرَّبيع بْنِ زِيَادٍ «١»، وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوَلِيدِ حينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَقُدِّمَ إليه طعام طَيِّبٌ، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراءِ المسلمينَ الَّذِينَ ماتوا ولم يَشْبَعُوا من خُبْزِ الشَّعِير؟
فقال خالدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فبكى عُمَرُ، وقال: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا في الحُطَامَ، وذَهَبُوا بالجَنَّةِ- فَقَدْ بَانُوا بُوْناً بَعِيداً «٢»، وقال جابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشتريت لحماً بدرهم، فرآني عمر، فقال:
أو كلّما اشتهى أَحَدُكم شَيْئاً اشتراه فأكَلَهُ؟! أما تخشى أنْ تكون من أهل هذه الآية، وتلا:
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «٣» ت: والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ جِدًّا، فمنها ما رواه أبو داود في سُنَنِهِ، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ أَنَّ رجُلاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رَحَلَ إلى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو بِمَصْرَ، فَقَدِمَ عليه، فقال: أَمَا إنِّي لم آتِكَ زَائِراً/ ولكنْ سَمِعْتُ أَنا وأَنْتَ حَدِيثاً مِنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، رَجَوْتُ أَنْ يكونَ عندَكَ منْهُ عِلْمٌ، قال: ما هو؟ قال:
كذا وكذا، قال: فمالي أَرَاكَ شَعْثاً وأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟! قال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان ينهى عن كثيرٍ من الإرفَاهِ «٤»، قال: فما لي لا أرى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يأمرنا أَنْ نَحْتَفِيَ أحياناً، وروى أبو داوُدَ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قال: ذكر أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، يوما عنده الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَلاَ تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ؟ إِنَّ البذاذة من
(٢) ذكره ابن عطية (٥/ ١٠١).
(٣) ينظر: المصدر السابق.
(٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٧٤) كتاب «الترجل» باب: (١) (٤١٦٠).
الإيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» «١» قال أبو داوُدَ: يعني: التَّقَحُّلَ، وفسر أبو عمر بن عبد البَرِّ: «البَذَاذَةَ» بِرَثِّ الْهَيْئَةِ، ذكر ذلك في «التمهيد»، وكذلك فَسَّرَهَا غيره، انتهى، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ خَرَجَ في أَصْحَابِهِ إلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُم! ثُمَّ أَقْبَلَ على أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إخْوانُنَا، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوا على آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا وَبَقِينَا في آجالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْراً مِنَّا؟! قال: هَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَخَرَجُوا وَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قال: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُوا بِهَا، وَقَالُوا: إنَّا لَمُحاسَبُونَ بِمَا/ أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا، وَإنهُ لَمُنْتَقَصٌ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا» «٢» انتهى، ، ومنها حديثُ ثَوْبَانَ في «سنن أَبي دَاوُدَ» : قال ثَوْبَانُ: كانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَقَدْ عَلَّقَتْ مِسْحاً أوْ سِتْراً على بَابِهَا، وَحَلَّتِ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّما مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ القُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُمَا عَنْهُمَا، فانطلقا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُمَا، وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ، اذهب بِهِمَا إلَى آلِ فُلاَنٍ إنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهُمْ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، اشتر لِفَاطِمَةَ قَلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» انتهى «٣»، - ص-: قرأ الجمهور: «أَذْهَبْتُمْ» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طَيِّبَاتكم، وابن كثير بهمزة بعدها مَدَّة مُطَوَّلَةً، وابن عامر بهمزتين حقّقها ابن ذَكْوَانَ، ولَيَّنَ الثانيةَ هشامٌ وابن كثير في روايةٍ «٤»، والاستفهامُ هنا على معنى التوبيخ والتقريرِ، فهو خبر في المعنى، ولهذا حَسُنَتِ الفاء في قوله: فَالْيَوْمَ، ولو كان استفهاما محضا لما دخلت الفاء، انتهى، وعَذابَ الْهُونِ هو الذي اقترن به هوانٌ، فالهُونُ والهوان بمعنى.
(٢) أخرجه ابن المبارك (١/ ١٧١) برقم: (٤٩٨). [.....]
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٨٦- ٤٨٧) كتاب «الترجل» باب: ما جاء في الانتفاع بالعاج، (٤٢١٣)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٣)، وعزاه إلى أحمد، والبيهقي في «شعب الإيمان».
(٤) ينظر: «الحجة» (٦/ ١٨٨)، و «إعراب القراءات» (٢/ ٣٢٠)، و «معاني القراءات» (٢/ ٣٨١)، و «العنوان» (١٧٥)، و «حجة القراءات» (٦٦٥)، و «إتحاف» (٢/ ٤٧٢).
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي
عادل أحمد عبد الموجود