الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسين
في المصحف الكريم
في هذا الربع يوالي كتاب الله إمداد رسوله الأعظم عليه الصلاة والسلام بأخبار من سبقه من الرسل، وأخبار من سبق أمته من الأمم، وهو إذ يستعرض أمام رسوله هذه الأخبار يثبت قلب رسوله على الحق، كما يثبت قدم رسوله في محاربة الباطل، وإذ يستعرضها أمام مشركي قريش ينذرهم بعاقبة الإنكار والجحود، ويحذرهم من الإصرار على معارضة الرسالة الإلهية التي هي خاتمة الرسالات، ومن الوقوف في وجهها، ويذكرهم بالهلاك والدمار الذي أصاب قوما آخرين سبقوهم، وهم من نفس جنسهم ومن جيرانهم الأقربين.
وفي هذا السياق يتناول كتاب الله قصة هود عليه السلام وعادا قومه، فيذكر نوع الدعوة الإلهية التي دعا إليها جميع الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم٢١ ، ثم يحكي كتاب الله الرد الذي قابلت به عاد دعوة هود عليه السلام، وما يتضمنه هذا الرد من شك وتكذيب وعناد، وما احتوى عليه من التحدي لقدرة الله، رغما عن أنه القاهر فوق عباده : قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا . أي لتصدنا عنها، فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين٢٢ ، أي فأتنا بالعذاب الذي تنذرنا به من عند الله.
ويتصدى هود عليه السلام لجواب قومه عاد جوابا خاليا من الادعاء والتطاول على الله : قال إنما العلم عند الله ، أي فهو سبحانه الذي يعلم متى يذيقكم العذاب، وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ، أي تصرون على الجهل بوحدانية الله وقدرته، وتردون دعوة الله الموجهة إليكم ردا غير جميل.
ويمضي كتاب الله في وصف ما آل إليه أمر عاد في النهاية، إذ تعرضوا لغضب الله، جزاء عنادهم وإصرارهم وتحديهم لقدرة الله، فقد نقلت الروايات أن عاد أصابها الحر الشديد، وطال عليها الجفاف والجدب، واحتبس عنها المطر، حتى أصبحت جميع الأنظار فيها متطلعة نحو السماء، تنتظر تصريف الرياح وتسخير السحب بالغيث النافع، فلما رأوا السحاب مقبلا على أوديتهم فرحوا واعتقدوا أنه سحاب غيث وإحياء، لا سحاب هلاك وإفناء : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ، ولكن الحق سبحانه وتعالى الذي ينجز وعده بالثواب لمن يستحقه، لا يخلف وعيده بالعقاب لمن تحدى أمره وتحدى رسله، رغما عن توالي الحجج والبينات، وها هو لسان القدرة يعيد على أسماعنا في كتاب الله نفس الجواب الحاسم، الذي تلقته عاد، أشد ما تكون خيبة أمل، وكأنها تستمع إليه الآن : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ٢٤ تدمر كل شيء بأمر ربها ، ثم يصف كتاب الله مشهد الدمار والخراب الشامل، الذي حل بعاد فأصبحت أثرا بعد عين، ولم يبق من ذكرياتها إلا مساكنها، لكنها خالية موحشة ينعق فيها البوم : فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين٢٥ .
وقوله تعالى في بداية هذه القصة : واذكر أخا عاد ، إشارة إلى هود عليه السلام نفسه، لكن كتاب الله ذكره هنا بصفته لا باسمه، تنبيها إلى رابطة الأخوة التي كانت تربطه بقومه، وتستوجب عطفه عليهم، وحرصه على هدايتهم.
وقوله تعالى : إذ أنذر قومه بالأحقاف ، إشارة إلى موطن عاد في جنوب جزيرة العرب بين اليمن وعمان، وقد قامت دولة عاد الأولى في جنوب الجزيرة العربية قبل ميلاد المسيح بعشرين قرنا، وقبل الهجرة النبوية بسبعة وعشرين قرنا، و " الأحقاف " جمع " حقف " وهو الكثيب المرتفع، أو الجبل المستطيل من الرمال.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري