ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

يا قومنا الذين لهم قوة العلم والعمل أجيبوا داعي الله أي : الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال. فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره وفي هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن، كما كان مبعوثاً إلى الإنس وآمنوا به أي : أوقعوا التصديق بسبب الداعي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى.
فإن قيل قوله تعالى : أجيبوا داعي الله أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به ؟ ! أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهمّ الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله تعالى وملائكته ورسله وجبريل وميكال ( البقرة : ٩٨ ) وقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ( الأحزاب : ٧ )
ولما أمر تعالى بالإيمان ذكر فائدته بقوله تعالى : يغفر لكم أي : الله تعالى من ذنوبكم أي : بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها، مما أشار إليه قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ( الشورى : ٣٠ ) وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها، وقيل : من زائدة والتقدير : يغفر لكم ذنوبكم، وقيل : بل فائدته أن كلمة من هنا لابتداء الغاية، والمعنى : أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل ويجركم أي : يمنعكم منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه. من عذاب أليم «قال ابن عباس : فاستجاب لله تعالى لهم من قومهم نحو سبعين رجلاً من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم ».
تنبيه : اختلفوا في أن الجنّ هل لهم ثواب أو لا فقيل : لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ويقال لهم : كونوا تراباً، مثل البهائم واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ويجركم من عذاب أليم وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح أنّ حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدّم عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً نحو ذلك قال الضحّاك : يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، لأنّ كل دليل دلّ على أنّ البشر يستحقون الثواب فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بينهما بعيد جداً وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنهم يدخلون الجنة، فقيل : هل يصيبون من نعيمها قال يلهمهم الله تعالى تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة وقال أرطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب هل للجنّ ثواب ؟ قال : نعم وقرأ لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ ( الرحمان : ٥٦ ) وقال عمر بن عبد العزيز إن مؤمني الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها ».

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير