ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على اللَّه عز وجل.
إيمان الجن بالقرآن
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)
الإعراب:
يَسْتَمِعُونَ الجملة حالية.
المفردات اللغوية:
إِذْ واذكر حين صَرَفْنا أملنا ووجهنا نحوك نَفَراً جماعة ما دون العشرة، جمع أنفار مِنَ الْجِنِّ جن نصيبين أو جن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان صلّى اللَّه عليه وسلّم- فيما رواه الشيخان- ببطن نخلة- على نحو ليلة من مكة عند منصرفه من الطائف- يصلي بأصحابه الفجر يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ورد الفعل جمعا مراعاة للمعنى فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي القرآن أو الرسول قالُوا: أَنْصِتُوا قال بعضهم لبعض: أنصتوا أي اسكتوا واستمعوا بإصغاء قُضِيَ فرغ وانتهى من قراءته، وقرئ: قُضِيَ بالبناء للمجهول، والضمير للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم أي فرغ من قراءته وَلَّوْا رجعوا مُنْذِرِينَ مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، وكانوا يهودا ثم أسلموا.
سَمِعْنا كِتاباً هو القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قيل: إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا،

صفحة رقم 59

أو ما سمعوا بأمر عيسى عليه السلام مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي لما تقدمه كالتوراة يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ من العقائد وهو الإسلام وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ طريقة سليمة من الشرائع.
أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وهو محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الذي يدعو إلى الإيمان بالله يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يغفر بعض ذنوبكم وهو ما يكون خالص حق اللَّه تعالى، فإن حقوق الناس ومظالم العباد لا تغفر بالإيمان، وإنما تسقط برضا أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي يحمكم من عذاب مؤلم معدّ للكفار. قال البيضاوي: واحتج أبو حنيفة رضي اللَّه عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم.
فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي لا يعجز اللَّه بالهرب منه ولا يفوته وَلَيْسَ لَهُ لمن لا يجيب مِنْ دُونِهِ دون اللَّه أَوْلِياءُ أنصار يدفعون عنه العذاب أُولئِكَ الذين لم يجيبوا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ خطأ بيّن ظاهر.
سبب نزول الآية (٢٩) :
وَإِذْ صَرَفْنا: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الجن هبطوا على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه، قالوا:
أنصتوا، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل اللَّه تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا: أَنْصِتُوا الآية، إلى قوله:
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
المناسبة:
بعد أن بيّن اللَّه تعالى أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر، أردفه هنا ببيان أن الجن أيضا فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرّض للثواب، وكافرهم معرّض للعقاب، وأن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم مرسل إلى الإنس والجن معا.
والملائكة والجن عالمان غيبيان غير مرئيين، يجب أن يؤمن المسلم بهما، كما يجب أن يؤمن بأن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم تلقى الوحي من طريق الملائكة، وأنه بلّغ رسالته إلى الجن فبشّرهم وأنذرهم، أما كيفية التلقي والتبليغ فغير معروفة لدينا إلا بطريق الأخبار الدينية السمعية النقلية، ولا مجال للعقل في ذلك.

صفحة رقم 60

التفسير والبيان:
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا: أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي واذكر أيها النبي لقومك حين وجهنا إليك يا محمدا نفرا من الجن، وبعثناهم إليك، لهداية قومهم، فلما حضروا القرآن عند تلاوته، أمروا بعضهم بعضا بالإنصات والإصغاء لكي يسمعوا سماع تدبر وتأمل وإمعان، وكان ذلك ببطن نخلة على بعد ليلة من مكة على طريق الطائف، وكانوا من أشراف جنّ نصيبين أو من نينوى بالموصل، بعد عودة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الطائف حينما خرج يدعوهم إلى الإسلام.
فلما فرغ من تلاوة القرآن في صلاة الفجر، رجعوا قاصدين إلى قومهم، مخوفين إياهم من مخالفة القرآن، ومحذرين لهم من عذاب اللَّه.
والآية دالة على أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان مرسلا إلى الجن والإنس ودلت روايات السنة على أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة في الليلة الأولى، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
من تلك الروايات الدالة على أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يشعر بحضورهم: ما ذكر سابقا عن ابن مسعود في سبب النزول، ومنها
ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثّ جنوده، فإذا بالنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.

صفحة رقم 61

وأما
ما رواه البخاري ومسلم عن مسروق قال: «سألت ابن مسعود، من آذن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم الشجرة»
فهو مؤيد لما سبق، فإنه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم.
وهناك روايات كثيرة دالة على لقاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالجن وتبليغهم رسالته وتلاوة القرآن عليهم «١»، منها
ما أخرجه أحمد ومسلم في صحيحة عن علقمة قال: قلت لعبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه: هل صحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا:
اغتيل؟! استطير؟! ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح- أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا:
يا رسول اللَّه، فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم، فقرأت عليهم القرآن» فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وفي رواية عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون».
وسورة الجن قاطعة الدلالة على استماع الجن القرآن ومطلعها: قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [١- ٢].
وقال اللَّه تعالى هنا:
قالُوا: يا قَوْمَنا، إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ قالت الجن: يا قومنا الجن: إنا سمعنا كتابا أنزله اللَّه من بعد توراة موسى، مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على

(١) راجع تفسير ابن كثير: ٤/ ١٦٤- ١٦٩

صفحة رقم 62

الرسل، يرشد إلى الدين الحق، وإلى طريق اللَّه القويم في العقائد والعبادات والأعمال والأخبار.
ولم يذكروا عيسى عليه السلام إما لأنه كما قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا، وإما لأن عيسى أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ ورقائق أدبية إنسانية، وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة في التشريع لليهود والنصارى على السواء هو التوراة، فلهذا قالوا: أنزل من بعد موسى.
وهكذا
قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بقصة بدء نزول الوحي عليه ونزول جبريل عليه السلام أول مرة، فقال: «هذا الناموس «١» الذي نزّل اللَّه على موسى، يا ليتني فيها جذعا «٢» إذ يخرجك قومك».
والخلاصة: أنهم خصوا التوراة، لأنها مصدر الشرائع والأحكام في الماضي، ولأنها متفق عليها عند أهل الكتاب.
يا قَوْمَنا، أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي يا قومنا الجن، أجيبوا رسول اللَّه خاتم النبيين أو القرآن إلى توحيد اللَّه وعبادته وطاعته، يغفر لكم بعض ذنوبكم التي هي من حقوق اللَّه، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بتنازل أصحابها عنها، وكذلك يحميكم ويقيكم وينقذكم من عذاب موجع مؤلم هو عذاب النار، ويدخل المؤمن منكم الجنة، لقوله تعالى:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن ٥٥/ ٤٦- ٤٧].
وفي الآية دلالة واضحة على أن اللَّه تعالى أرسل محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى اللَّه تعالى، وقرأ عليهم سورة الرحمن التي فيها خطاب

(١) ناموس الرجل: أمين السر، أو صاحب السر الذي يطلعه على باطن أمره ويخصّه بما يستره عن غيره، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام النّاموس.
(٢) أي شابا جلدا قويا.

صفحة رقم 63

الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم.
ولا فرق في الثواب والعقاب والأوامر والنواهي واستحقاق الجنة والنار بين الإنس والجن، لأن التكليف واحد، ولأن عموم آيات خطاب الفريقين يشمل كلا منهما، فلا يصح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما يجأرون فقط من عذاب النار يوم القيامة. ومما يدل على ذلك أيضا عموم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف ١٨/ ١٠٧].
ثم حذروا قومهم من المخالفة، فقالوا:
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ومن لا يجب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى التوحيد وطاعة اللَّه، فلا يفوت اللَّه ولا يسبقه، ولا يفلت منه، ولا يقدر على الهرب منه، لأنه في أرض اللَّه، وليس له من غير اللَّه أنصار ينصرونه ويمنعونه من عذاب اللَّه، أولئك الذين لا يجيبون داعي اللَّه في خطأ ظاهر واضح.
وهذا تهديد ووعيد، وبذلك جمعوا على وفق نهج القرآن بين الترغيب والترهيب، ولهذا جاؤوا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وفودا وفودا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- إن المقصود من الآيات توبيخ مشركي قريش على عدم إيمانهم، فإن الجن سمعوا القرآن، فآمنوا به، وعلموا أنه من عند اللَّه، فما بالكم أيها المشركون وأمثالكم تعرضون وتصرون على الكفر؟! ٢- وهناك قصد آخر وهو تسلية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم عما يلقاه من صدود قومه عن

صفحة رقم 64

دعوته، حتى إنه ذهب إلى الطائف لدعوة ثقيف وأهلها إلى الإسلام، فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم، فرموه بالحجارة وأدموه، فاتجه داعيا إلى اللَّه في خشوع وتضرع واستنصار قائلا- كما روى محمد بن إسحاق في سيرته-: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، ورب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهّمني «١»، أم إلى صديق قريب ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي.
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
٣- وفي عودته صلّى اللَّه عليه وسلّم من الطائف حينما كان يصلي الفجر أو قيام الليل في موضع يسمى «نخلة» من ضواحي مكة، جاءه وفد من الجن سبعة أو تسعة من جن نصيبين أو من نينوى بالموصل، فاستمعوا إلى تلاوته القرآن، وهو لا يشعر بهم، فكانت هذه الآيات تطييبا لخاطره، وشد عزيمته وتقوية روحه.
٤- كان أدب الجن عظيما حين سماعهم القرآن، فينبغي التأسي بهم، فإنهم لما حضروا القرآن واستماعه أو حضروا النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال بعضهم لبعض: اسكتوا لاستماع القرآن، فلما فرغ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من تلاوة القرآن، انصرفوا قاصدين من وراءهم من قومهم من الجنّ، منذرين لهم مخالفة القرآن، ومحذّرين إياهم بأس اللَّه إن لم يؤمنوا.
٥- دلت هذه القصة على أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم مرسل مبعوث إلى الإنس والجن معا، وعلى أنهم آمنوا به، وأنه بعد علمه بهم، أرسلهم في الليلة الثانية إلى قومهم،

(١) أي يلقاني بالغلظة والشدة والوجه الكريه.

صفحة رقم 65

بدليل قولهم: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ولولا ذلك لما أنذروا قومهم، فتكون ليلة الجن ليلتين.
٦- لقد وصفوا القرآن بوصفين:
الأول- كونه مصدقا لما بين يديه، أي مصدقا لكتب الأنبياء المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد والأمر بمحاسن الأخلاق.
الثاني- قوله: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى دين الحق، ودين اللَّه القويم.
وهذا يدل على أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان مبعوثا إلى الجنّ والإنس، قال مقاتل: ولم يبعث اللَّه نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم.
ويؤكد عموم دعوته ما
في صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة».
قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة: «وبعثت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
٧- أمر الجن قومهم بإجابة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في كل ما أمر به، ومنه الأمر بالإيمان، فإن آمنتم بالداعي، وهو محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم يغفر لكم بعض ذنوبكم، وينقذكم من عذاب مؤلم موجع. قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا، فرجعوا إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فوافقوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم.

صفحة رقم 66

ويلاحظ أنهم حين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم: وَآمِنُوا بِهِ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف. وخصصوا المغفرة ببعض الذنوب، لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم.
٨- دلت هذه الآي على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقال الحسن البصري: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وكذا قال أبو حنيفة، ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم:
كونوا ترابا مثل البهائم. وقد أجبت عن هذا في تفسير الآيات، لذا ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك إلى أن الجن كما يعاقبون في الإساءة، يجازون في الإحسان مثل الإنس. قال القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند اللَّه. وقال القرطبي: قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام ٦/ ١٣٢] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة، لأنه قال في أول الآية: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
[الأنعام ٦/ ١٣٠] إلى أن قال: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا «١». وقال النيسابوري: «والصحيح أنهم في حكم بني آدم، يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون» «٢».
٩- إن من لا يجيب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ليس بمعجز لله في الأرض فلا يفوته ولا يسبقه ولا يهرب منه، وليس له من دون اللَّه أنصار يمنعونه من عذاب اللَّه، وهو من الضالين المخطئين في ضلال واضح.

(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢١٧ وما بعدها.
(٢) غرائب القرآن: ٢٦/ ١٧

صفحة رقم 67

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية