ثم أمر بالتفكر والنظر ؛ لأنه أقرب الطرق إلى التخلص من غوائل الأعداء، فقال :
أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ .
يقول الحق جلّ جلاله : أفلم يسيروا أي : أَقعدوا فلم يسيروا في الأرض يعني كفار مكة، فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم من الأمم المكذبة ؟ فإنّ آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم، فقد دَمَّر اللَّهُ عليهم فالجملة : استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل : كيف كان عاقبتهم ؟ فقيل : استأصل الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يُقال : دمّره ؛ أهلَكه، ودمّر عليه : أهلك عليه ما يختص به، قاله أبو السعود. وفي الصحاح : الدمار : الهلاك، دمّره تدميراً، ودمَّر عليه، بمعنى. ه. فظاهرة : أن معناهما واحد، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل، وقال الطيبي : في دمّر عليهم تضمينُ معنى أطبقَ، فعُدي بعلى، ولذلك استأصل. ه.
وللكافرين أي : ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرَتِهم أمثالُها أي : أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير، أو أمثال عواقِبهمْ أو عُقوبَاتهم، لكن لا على أنّ لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافَه ؛ بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة، حسبما تعدّد الأمم المعذّبة، ويجوز أن يكون عذابُهم أشدّ من عذاب الأولين فقد قُتلوا وأُسروا بأيدي مَن كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد ألماً من الهلاك بسبب عام. وقيل : دمَّر اللّهُ عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أمثالُها.
وقوله تعالى : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا... الخ، قال القشيري : المَوْلَى : المحِبُّ، فهو محب الذين آمنوا، والكافرين لا يُحبهم، ويصح أن يُقال : أرجى آيةٍ في القرآن هذه الآية، لم يقل مولى الزُهّاد والعُبّاد وأصحاب الأورادِ والاجتهاد : بل قال : مولى الذين آمنوا والمؤمن وإن كان عاصياً فهو من جملتهم. هـ. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوباً مقرباً.
قوله تعالى : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام وكذلك الغافل، فالأنعام تأكل بلا تمييز، من أي موضع وجدت، كذلك الجاهل، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل تأكل في كل وقت، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد " أن الكفار يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يجتزئ بما تيسّر " ١، كما في الخبر :" ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ " ٢. والأنعام تأكل على الغفلة، فمَن كان في أكله ناسياً لربه، فأكلُه كأكل الأنعام. انظر القشيري.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي