وقيل: إن المؤمنين آمنوا بالقرآن لما نزل، فلما نزل الناسخ [والمنسوخ] زادهم ذلك هدى.
قال: فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً.
أي: فهل ينظر هؤلاء المنافقون إلا إتيان الساعة وقيامها عليهم بغتة. " فأن " في موضع نصب بدلاً من " الساعة " بدل الاشتمال.
و" بغتة " نصب على المصدر، أي: تبغتهم بغتة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال، وحكى أبو عبيد (أن في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم، على الشرط)، والجواب: فقد جاء.
وقال أبو جعفر الرواسي قلت لأبي عمرو ما هذه " الفاء " في قوله: فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا.
فقال: هي جواب للجزاء، قال: فقلت له: إنها أن تأتيهم، فقال: معاذ الله إنما هي أن تأتهم. وهذه القراءة تفسر المعنى لو صحت؛ لأنه يصير المعنى: إنها تأتيهم بغتة، ويجوز: أن تأتيهم غير بغتة؛ لأنه بمعنى الشرط والجزاء، وقد قال الله لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً [الأعراف: ١٨٧] والأمر المحدود الذي لا بد منه ولا يكون غيره، لا يدخله الشرط، لأن الشرط، لأن الشرط إنما يدخل في الموضع الذي يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون، ويحسن أن يقع، ويحسن ألا يقع، فليس هذا موضعاً للشرط البتة، وجاء قوله: يَنظُرُونَ بمعنى " ينتظرون " وهم لا يؤمنون بالساعة فكيف ينتظرونها، وإنما ذلك بمعنى الوعيد والتهديد، كما تقول لمن أصر على الذنوب والكفر: هل تنتظر إلا العذاب، وكما تقول لعبدك يصر على مخالفتك: هل تنتظر إلا العقوبة، فالمعنى: هل ينتظرون في الحقيقة عندنا وعند المؤمنين إلا أن تأتيهم الساعة بغتة.
وقوله: فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا أي: فقد جاء هؤلاء الكفار علاماتها ومقدماتها
وآياتها.
قال الحسن: موت النبي عليه السلام من علاماتها، وقال غيره: بعث النبي من علاماتها، لأنه نبي بعث لا نبي بعده، وقد قال ﷺ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعة كَفَرَسَيْ رِهان " (وقال أيضاً): " بُعِثْت أَنَا والسَّاعة كَهَاتَيْن " وأشار بالسبابة والوسطى.
ثم قال: فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذكراهم أي: فمن أي وجه لهؤلاء الكفار تقع الذكرى إذ جاءتهم الساعة بغتة، أي: ليس ينفعهم ذلك الوقت تذكر ولا ندم، إذ ليس هو وقت عمل ولا استعتاب ولا تأخر، فالتقدير: من أين لهم منفعة التذكر والازدجار عن الكفر إذا جاءت الساعة وانقطعت التوبة.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي