ﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦:وانتقلت الآيات الكريمة إلى التهوين من شأن المصالح المادية، والمنافع الشخصية، التي قد تعوق الإنسان عن الفداء والتضحية في سبيل عقيدته السامية، فقال تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ، إشارة إلى أن خير زاد يتزود به المسلم في هذه الدار لتلك الدار هو ما يملأ به قلبه من الإيمان، وما يشغل به جوارحه من الأعمال الصالحة المزدوجة النفع، دنيا وأخرى، فذلك هو الزاد الذي يدوم ويبقى، أما ما عداه من الشهوات والملذات، والأغراض البشرية الصرفة التي يصرف الناس فيها حياتهم، فمآلها إلى الانصراف والزوال، وهي تنتهي بانتهاء وقتها في الحال.
واتجه كتاب الله إلى مخاطبة المسلمين في موضوع حساس بالنسبة لحياتهم المادية، ألا وهو موضوع البذل في سبيل الله، والإنفاق على الدعوة الإسلامية، وعلى الجهاد الإسلامي المشروع، لحماية هذه الدعوة وضمان وجودها، منبها إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يأمر المسلمين بإنفاق كل ما يملكونه في هذا السبيل، لأنه لو أمرهم بإنفاق كل ما يملكون لشق عليهم هذا التكليف وضاقوا به ذرعا، إذ يكون فيه نوع من الإحراج : ولا يسألكم أموالكم إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ، ومبدأ الإسلام الأساسي :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وقاعدته الأصلية :" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " لكن المطلوب من المسلمين هو أن لا يتخلفوا عن واجباتهم الأساسية، وأن يبذلوا من أموالهم في سبيل تحقيقها والوفاء بها ما هو ضروري لذلك في حدود المستطاع، وامتثال المسلمين لهذا الأمر الإلهي يعود عليهم قبل غيرهم بالصلاح والرشاد، ويضمن لهم القوة والهيبة بين العباد، فإذا بخلوا بأموالهم، وتخلوا عن واجباتهم جنوا ثمرة بخلهم ضعفا في أنفسهم، وهوانا على الله وعلى الناس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء . قال ابن كثير :" وصف الله بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه "، وهذا أمر واضح، ما داموا فقراء إلى رزقه في الدنيا، وإلى أجره في الآخرة.
وختمت سورة " محمد " أو سورة " القتال " بخاتمة تعتبر إنذارا أو شبه إنذار، مما كان له وقع عظيم عند المسلمين الأولين، ذلك أنها تعلن في حزم وصراحة أن الدعوة الإسلامية التي وكلها الله إلى رسوله والمومنين إنما هي أمانة مودعة بين أيديهم، شرفهم الله بها وميزهم بفضلها على بقية الناس، فإن وفوا بها، وقاموا بحقها، وضحوا في سبيلها، كانوا أهلا لها، ومضوا في حمل أمانتها إلى يوم الدين، وإن تخلوا عنها، أو أهملوا شأنها، أو بخلوا في سبيلها ببذل النفس والمال نزع الله أمرها من بين أيديهم، واستبدل بهم غيرهم، وجعل هذا الغير أفضل منهم في القيام بحقها، والوفاء لها، والتفاني في سبيلها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في خطابه للمومنين : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم٣٨ .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير