ﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

إِن يَسْأَلْكُمُوهَا أي أموالكم كلها فَيُحْفِكُمْ قال المفسرون : يجهدكم، ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال : أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد، والمحفي : المستقصي في السؤال، والإحفاء : الاستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب : أي استئصاله، وجواب الشرط قوله : تَبْخَلُواْ أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا من الامتثال وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ معطوف على جواب الشرط، ولهذا قرأ الجمهور يخرج بالجزم، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بالرفع عن الاستئناف، وروي عنه أنه قرأ بفتح الياء وضم الراء ورفع أضغانكم، وروي عن يعقوب الحضرمي أنه قرأ بالنون، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد بالفوقية المفتوحة مع ضم الراء. وعلى قراءة الجمهور، فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، أو إلى البخل المدلول عليه بتبخلوا. والأضغان : الأحقاد، والمعنى : أنها تظهر عند ذلك. قال قتادة : قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضرّ مع لا إله إلاّ الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد : فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلاّ مقبول حتى نزلت : أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها قلنا : قد هلك، حتى نزلت هذه الآية : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [ النساء : ٤٨ ] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجوناه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : يَتِرَكُمْ قال : يظلمكم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه قال : لما نزلت : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قالوا : من هؤلاء ؟ وسلمان إلى جانب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : هم الفرس، هذا وقومه. وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد تفرّد به، وفيه مقال معروف. وأخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال :«تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا ؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال :«هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»، وفي إسناده أيضاً مسلم بن خالد الزنجي. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية