ولله مُلكُ السماوات والأرض يُدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، يغفر لمن يشاء ويُعذِّب من يشاء بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته : مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. وكان الله غفوراً رحيماً مبالغاً في المغفرة والرحمة لمَن يشاء، أي : لمَن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما مَن عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعاً.
الإشارة : هذه الآية تَجُر ذيلها على مَن تخلّف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عُذر بيِّن، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول : كل شيء يُسمح فيه إلا القدوم ؛ إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضاً : مَن جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومَن جلس لغير عذر لا نُسامح له، بل يُحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحُرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهلُه ومالُه لا يأتي منه شيء. قل : فمَن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضرّاً، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو : أراد بكم نفعاً، بأن وصلكم إليه، وغيَّب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيراً، يعلم مَن تخلّف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي