ﭑﭒﭓﭔﭕ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭧﭨﭩﭪ

سورة الفتح
وهي مدنيّة كلّها بإجماعهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الآية.
(١٢٧٥) سبب نزولها أنه لما نزل قوله: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ «١»، قال اليهود: كيف نتَّبع رجُلاً لا يَدري ما يُفْعَلُ به؟! فاشتدَّ ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وفي المراد بالفتح أربعة أقوال «٢».
أحدها: أنه كان يومَ الحديبية، قاله الأكثرون. قال البراء بن عازب: نحن نَعُدُّ الفتح بَيْعةَ الرِّضْوان. وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطعموا نخل خيبر، وبلغ الهَدْيُ مَحِلَّه، وظَهرت الرُّومَ على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال الزهري: لم يكن فتحٌ أعظمَ من صُلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكَّن الإِسلامُ في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خَلْقٌ كثير وكَثُر بهم سواد الإِسلامُ، قال مجاهد: يعني بالفتح ما قضى اللهُ له من نحر الهَدْي بالحديبية وحَلْق رأسه. وقال ابن قتيبة: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً أي: قَضَيْنا لك قضاءً عظيماً، ويقال للقاضي: الفتَّاح. قال الفراء: والفتح قد يكون صُلحاً، ويكون أَخْذَ الشيء عَنْوةً، ويكون بالقتال. وقال غيره: معنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصُّلْح الذي جُعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذّرا حتى فتحه الله تعالى.
ذكره الواحدي ٧٤٨ في «أسباب النزول» قاله عطاء عن ابن عباس بدون إسناد، فهو لا شيء لخلوه عن الإسناد، والمتن باطل، فإن الآية المذكورة في الخبر مكية، عند الجمهور وسورة الفتح مدينة.
__________
(١) الأحقاف: ٩.
(٢) قال ابن كثير في «تفسيره» ٤/ ٢١٥: فقوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً أي: بينا ظاهرا والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه حيز جزيل، وأمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلّم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان. وهذا اختيار الطبري والشوكاني وغيرهما من المفسرين.

صفحة رقم 125

الإشارة إلى قصّة الحديبية
(١٢٧٦) روت عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى في النَّوم كأن قائلاً يقول له: لتدخلن المسجد الحرام إِن شاء الله آمنين، فأصبح فحدَّث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعُمْرة فذكر أهلُ العِلْم بالسِّيَرِ أنَّه خرج واستنفر أصحابَه للعمرة، وذلك في سنة ست، ولم يخرج بسلاح إِلاّ السيوف في القُرُب «١».
(١٢٧٧) وساق هو وأصحابُه البُدْنَ، فصلَّى الظُّهر ب «ذي الحُلَيْفة»، ثم دعا بالبُدْنِ فجُلِّلَتْ، ثم أشعرها وقلّدها، وفعل ذلك أصحابه، وأحرم ولبَّى، فبلغ المشرِكينَ خروجُه، فأجمع رأيُهم على صدِّه عن المسجد الحرام، وخرجوا حتى عسكروا ب «بَلْدَح»، وقدَّموا مائتي فارس إِلى كُراع الغميم «٢»، وسار رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم حتى دنا من الحديبية قال الزجاج: وهي بئر، فسمِّي المكان باسم البئر قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يَدَا راحلته، فقال المسلمون: حَلْ حَلْ «٣»، يزجرونها، فأبَتْ، فقالوا:
خَلأَتْ القصْواءُ- والخِلاءُ في النّاقة مثل الحِران في الفَرَس- فقال: «ما خَلأَتْ، ولكن حَبَسها حابِسَ الفِيلِ، أما واللهِ لا يسألوني خُطَّةً فيها تعظيمُ حُرْمة اللهِ إِلاّ أعطيتُهم إِيّاها»، ثم جرَّها فقامت، فولَّى راجعاً عَوْده على بَدْئه حتى نزل على ثمد «٤» من أثماد الحديبية قليلِ الماء، فانتزع سهماً من كنانته فغرزه فيها، فجاشت لهم بالرَّواء، وجاءه بُدَيْل بن ورقاء في ركب فسلَّموا وقالوا: جئناك من عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، يُقْسِمون، لا يُخَلُّون بينك وبين البيت حتى تُبيد خَضْراءَهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَمْ نأتِ لقتال أحَد إِنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلْناه». فرجعَ بديل فأخبر قريشاً، فبعثوا عروة بن مسعود، فكلَّمه بنحو ذلك، فأخبر قريشاً، فقالوا: نَرُدُّه مِن عامِنا هذا، ويَرْجِع من قابِل فيَدْخُل مكّة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عثمانَ بن عفان، قال: «اذْهَبْ إِلى قريش فأَخْبِرْهم أنّا لَمْ نأتِ لقتالِ أحَدٍ، وإِنما جئنا زُوّاراً لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبداً، ولا يَدخُلها العامَ، وبَلَغَ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّ عثمان قد قُتل، فقال: «لا نَبْرَحُ حتى نُناجِزَهم» «٥»، فذاك حين دعا المسلمين إِلى بيعة الرّضوان، فبايعهم تحت

لم أره عن عائشة، وهو غريب هكذا، وقد نبه الحافظ على ذلك في تخريج «الكشاف» ٤/ ٣٤٥، وقد ورد منجما وبمعناه عند الطبري ٣١٦٠١ و ٣١٦٠٢ و ٣١٦٠٣ و ٣١٦٠٤ وعامة هذه الروايات مراسيل.
خبر الحديبية. صحيح. أخرجه البخاري ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ و ٤١٧٨ و ٤١٧٩ وأبو داود ٢٧٦٥ مختصرا وأحمد ٤/ ٣٢٨ والطبري ٣١٥٦٦ وابن حبان ٤٨٧٢ والبيهقي في «دلائل النبوة» ٤/ ٩٩- ١٠٨.
__________
(١) أخرجه الطبري ٣١٤٨٤ والبيهقي في «الدلائل» ٤/ ١٦٥ عن مجاهد مرسلا بنحوه.
(٢) كراع الغميم: موضع بين مكة والمدينة. [.....]
(٣) حل حل: كلمة تقال للناقة إذا توقفت عن السير.
(٤) في «اللسان» : الثّمد: قال أبو مالك: أن يعمد إلى موضع يلزم ماء السماء يجعله صنعا وهو المكان يجتمع فيه الماء، وله مسايل من الماء، ويحفر في نواحيه ركايا فيملأها من ذلك الماء فيشرب الناس الماء الظاهر حتى يجف، وتبقى تلك الركايا، وهي الثماد. والثمد: الماء القليل الذي لا مادّتها له.
(٥) ورد هذا القول «فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا نبرح حتى... » عند الطبري ٣١٥١٦ عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر.

صفحة رقم 126

الشجرة. وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال:
(١٢٧٨) أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ومعقل بن يسار.
(١٢٧٩) والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضاً، وبه قال قتادة.
(١٢٨٠) والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس.
(١٢٨١) والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى.
(١٢٨٢) قال: وضَرَبَ يومئذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إِنه ذهب في حاجة الله ورسوله. وَجعَلَت الرُّسُل تختلف بينهم، فأجمعوا على الصُّلح، فبعثوا سهيل بن عمرو في عِدَّة رجال فصالحه كما ذكرنا في براءة «١» فأقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال: عشرين ليلة، ثم انصرف.
(١٢٨٣) فلمّا كان ب «ضَجَنَان» نزل عليه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، فقال جبريل: يَهنيك يا رسول الله، وهنّأه المسلمون.
والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة، وبه قال السدي. وقال بعض مَن ذَهَب إِلى هذا: إِنما وُعِد بفتح مكة بهذه الآية. والثالث: أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي، وعن أنس بن مالك كالقولين. والرابع: أنه القضاء له بالإِسلام، قاله مقاتل. وقال غيره: حَكَمْنا لك بإظهار دِينك والنُّصرة على عدوِّك.
قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال ثعلب: اللام لام «كي»، والمعنى «٢» : لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النِّعمة في الفتح، فلمّا انضمَّ إلى المغفرة شيءٌ حادِثٌ، حَسُنَ معنى «كي»، وغلط من قال:

أخرجه البخاري ٤١٥٠ و ٤١٥١ من حديث البراء بن عازب. وورد أيضا من حديث جابر، أخرجه البخاري ٤١٥٤ ومسلم ١٨٥٦ ح ٧١ و ٧٢ و ٧٤، ومن حديث سلمة بن الأكوع، أخرجه مسلم ١٨٠٧.
أخرجه الطبري ٣١٥٢٤ عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قيل له «إن جابر بن عبد الله يقول: إن أصحاب الشجرة كانوا ألفا وخمس مائة، قال سعيد: نسي جابر، هو قال لي: كانوا ألفا وأربع مائة».
أخرجه الطبري ٣١٥٢٦ عن ابن عباس بسند واه.
أخرجه البخاري ٤١٥٥ ومسلم ١٨٥٧ عن عبد الله بن أبي أوفى.
لم أره بهذا اللفظ، وخبر البيعة عن عثمان، أخرجه الترمذي ٣٧٠٢ من حديث أنس، وفيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف.
لم أره بهذا اللفظ، وذكر جبريل غريب جدا. وانظر الآتي برقم ١٢٨٥.
__________
(١) التوبة: ٧.
(٢) قال ابن كثير في «تفسيره» ٤/ ٢١٧: وقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، هذا من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم التي لا يشاركه فيها غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم- وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة. ولما كان أطوع خلق الله لله، وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه. فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله له: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ.

صفحة رقم 127

زاد المسير في علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية