ﭑﭒﭓﭔﭕ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭧﭨﭩﭪ

فضائل صلح الحديبية على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
الإعراب:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لام «يغفر» متعلقة بقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وهي لام «كي» وهي حرف جر، وإنما حسن دخولها على الفعل، لأن «أن» مقدرة بعدها، ولهذا كان الفعل بعدها منصوبا، وأن مع الفعل في تقدير الاسم، فلم تدخل في الحقيقة إلا على اسم.
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً تقديره: إلى صراط مستقيم، فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل بقوله: صِراطاً فنصبه.
البلاغة:
ما تَقَدَّمَ وَما تَأَخَّرَ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الفتح في أصل اللغة: إزالة الأغلاق، والفتح في باب الجهاد: هو الظفر بالبلد عنوة أو صلحا، بحرب أو بغيره، لأن البلد قبل ذلك منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح: والمراد: قضينا لك بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة بجهادك، فتحا بينا ظاهرا. أو هو وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي للدلالة على تحققه وصيرورته في حكم الواقع.
والمراد بالفتح هنا في رأي الجمهور: هو صلح الحديبية (والحديبية بئر سمي المكان بها) وسمي هذا الصلح فتحا، لأنه كان سببا لفتح مكة من قبيل المجاز المرسل بإطلاق السبب على المسبب. قال

صفحة رقم 148

الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين، وسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام، فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف، ففتحوها.
وقال جماعة: المراد فتح مكة، وعد اللَّه به قبل حدوثه بطريق البشارة من اللَّه تعالى لرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم وللمؤمنين، قال الزمخشري «١» : هو فتح مكة، وقد نزلت السورة مرجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عن مكة عام الحديبية، عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى، أهـ.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ.. يجوز أن يكون الفتح فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا أو علة للغفران والثواب، وكذلك فتح الحديبية وإن لم يكن فيه قتال شديد، لكن وقع فيه ترام بين القوم بسهام وحجارة أو كونه سببا لفتح مكة، يكون لما تضمنه من مجاهدة سببا للمغفرة.
فإن لم يجعل الفتح علة للمغفرة، فيكون ذكر اللام- كما قال الزمخشري- لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، أي لتحصيل مجموع هذه الأمور كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة أو الحديبية ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين، وغايات العاجل والآجل.
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ أي جميع ما فرط منك مما يصح أن يعاتب عليه، وبما أن الأنبياء معصومون عن الذنوب الكبائر والصغائر، فالمراد بالذنب هنا: فعل ما هو خلاف الأولى والأفضل بالنسبة لمقام الأنبياء، فهو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. أو أن المراد ما هو ذنب في نظره العالي، وإن لم يكن في الواقع كذلك. وفي هذا ترغيب للأمة في الجهاد.
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي ويتم بالفتح المذكور إنعامه عليك، بإعلاء الدين، واجتماع الملك مع النبوة وفتح البلاد وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي يثبتك بالفتح على الطريق القويم، وهو دين الإسلام وتبليغه وإقامة شعائره وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً أي وينصرك اللَّه بالفتح نصرا فيه عز ومنعة: وهو الذي لا ذلّ بعده، أو يعز به المنصور وهو الذي لا يناله كل أحد، فوصف الشخص بالنصر العزيز للمبالغة.

(١) تفسير الكشاف: ٣/ ١٣٥

صفحة رقم 149

سبب النزول:
نزول الآية (١) :
إِنَّا فَتَحْنا: أخرج الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.
نزول الآية (٢) :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ..:
أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض»، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول اللَّه، قد بيّن اللَّه لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ حتى بلغ فَوْزاً عَظِيماً. وقال ابن عباس: إن اليهود شمتوا بالنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والمسلمين لما نزل قوله: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ وقالوا: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به، فاشتد ذلك على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فأنزل اللَّه تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ.. الآية.
التفسير والبيان:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً أي إنا فتحنا لك أيها الرسول فتحا ظاهرا لا شك فيه، وهو صلح الحديبية الذي كان سببا لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان، أو فتح مكة، وعده اللَّه به قبل حصوله، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من اللَّه تعالى لرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم وللمؤمنين، كما بينت في تفسير المفردات.
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ أي لكي يجتمع لك مع

صفحة رقم 150

المغفرة: تمام النعمة في الفتح، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، فيتحقق لك عز الدارين وسعادة الدنيا والآخرة. والمغفرة تشمل جميع ما فرط منك قبل الرسالة وبعدها من الهفوات التي تعد خلاف الأولى بالنظر إلى مقامك العالي، وذاك بالنظر لمن سواك لا يسمى ذنبا، فهو من قبيل ما يسمى: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. وفي هذا تشريف عظيم للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهو من خصائصه التي لا يشاركه فيها غيره.
أخرج الجماعة (أحمد والأئمة الستة إلا أبا داود) عن المغيرة بن شعبة رضي اللَّه عنه يقول: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: «أفلا أكون عبدا شكورا».
وأخرج أحمد ومسلم عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا صلّى، قام حتى تتفطّر رجلاه، فقالت له عائشة رضي اللَّه عنها: يا رسول اللَّه، أتصنع هذا، وقد غفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم:
«يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا».
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً أي ولكي يتمم إنعامه عليك بإعلاء شأن الدين وانتشار الإسلام وفتوح البلاد شرقا وغربا ورفع شأنك في الدنيا والآخرة، وليرشدك إلى الطريق القويم بما يشرعه لك من الشرع العظيم، ويثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه، ولينصرك اللَّه على أعدائك نصرا غالبا منيعا، لا يتبعه ذل، أو هو عزيز المنال فريد المثال.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
١- بشّر اللَّه نبيه والمؤمنين بفتح عظيم مبين واضح، وهو في رأي الجمهور كما

صفحة رقم 151

تقدم صلح الحديبية الذي كان سببا لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان، واختلاط الناس مع بعضهم بعضا، وتكلّم المؤمن مع الكافر. قال موسى بن عقبة: قال رجل عند منصرفهم من الحديبية: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت،
فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: «بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا».
وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يكون فتحا، وقد أحصروا، فنحروا، وحلقوا بالحديبية؟ ثم أجاب: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها، وتمت، كانت فتحا مبينا.
وقال الشعبي في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: هو صلح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة، غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محلّه، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقد سبق كلام الزهري. والخلاصة: تحقق في هذا الصلح أمور ثلاثة: هي معرفة قوة العدو ومدى كفايته في السلم والسياسة والصلح، وتمييز المؤمنين من المنافقين، واختلاط المسلمين بالمشركين الذي أدى إلى الدخول في الإسلام.
وقيل: إنه فتح مكة، وهو مناسب لآخر السورة التي قبلها، حيث حث تعالى على الجهاد بالنفس وبالمال والإنفاق في سبيل اللَّه، ونهى عن طلب الصلح، فقال: لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا، فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه، كما كان يوم الحديبية.
٢- كانت ثمار الفتح الأعظم أربعة أمور هي:
الأول- البراءة المطلقة للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بمغفرة جميع ذنوبه المتقدمة والمتأخرة التي تعد بمثابة خلاف الأولى والأفضل بالنظر لمقامه الشريف.

صفحة رقم 152

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية