وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ أي لو انتظروا خروجك ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل. وقيل : إنهم جاءوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع، ذكر معناه مقاتل والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن الزبير قال :«قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر : أَمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر : ما أردت إلاّ خلافي، فقال عمر : ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله : ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُولِهِ حتى انقضت الآية». وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُولِهِ قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وأخرج ابن مردويه عن عائشة في الآية قالت :«لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم». وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت :«كان أناس يتقدّمون بين يدي رمضان بصيام، يعني : يوماً أو يومين، فأنزل الله : ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَي الله وَرَسُولِهِ . وأخرج الطبراني وابن مردويه عنها أيضاً : أن ناساً كانوا يتقدّمون الشهر فيصومون قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا الآية. وأخرج البزار وابن عدي والحاكم وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال : أنزلت هذه الآية ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي قلت : يا رسول الله، والله لا أكلمك إلاّ كأخي السرار، وفي إسناده حصين بن عمر، وهو ضعيف، ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال :«لما نزلت : إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله قال أبو بكر : والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلاّ كأُخي السرار حتى ألقى الله. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال :«لما نزلت ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبي إلى قوله : وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال :«أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في بيته حزيناً، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا : فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك ؟ قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبيّ، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فقال :«لا، بل هو من أهل الجنة» ؛ فلما كان يوم اليمامة قتل. وفي الباب أحاديث بمعناه. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله : لا، ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ الآية : قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله : أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«منهم ثابت بن قيس بن شماس». وأخرج أحمد وابن جرير وأبو القاسم البغوي والطبراني وابن مردويه قال السيوطي : بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس، أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«يا محمد اخرج إلينا، فلم يجبه، فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال :«ذاك الله»، فأنزل الله : إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات ، قال ابن منيع : لا أعلم روى الأقرع مسنداً غير هذا. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب في قوله : إنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات قال : جاء رجل فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«ذاك الله». وأخرج ابن راهويه ومسدد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي : بإسناد حسن عن زيد بن أرقم قال :«اجتمع ناس من العرب فقالوا : انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته، فجعلوا ينادونه : يا محمد يا محمد فأنزل الله : إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني، وجعل يقول :«لقد صدّق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد» وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه قال السيوطي بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال :«قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت : يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولاً لإبَّان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا سروات قومه، فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلاّ من سخطة، فانطلقوا فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرَقَ فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقلّ البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا : هذا الحارث ؟ فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم ؟ قالوا إليك. قال : ولم ؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال : لا، والذي بعث محمداً بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي ؟ قال : لا والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا رآني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل : ياأيُّها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ إلى قوله : حَكِيمٌ ». قال ابن كثير : هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية. وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص.