المعنى الجملي : أدب الله عباده المؤمنين بأدب نافع لهم في دينهم ودنياهم – أنه إذا جاءهم الفاسق المجاهر بترك شعائر الدين بأي خبر، لا يصدقونه بادئ ذي بدء حتى يتثبتوا، ويتطلبوا انكشاف الحقيقية ولا يعتمدوا على قوله، فإن من لا يبالي بالفسق لا يبالي بالكذب الذي هو من فصيلته-كراهة أن يصيبوا بأذى قوما هم جاهلون حالهم، فتندموا على ما فرط منكم، وتتمنوا أنه لو لم يكن قد وقع.
روي عن ابن عباس :( أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليأخذ الصدقات، فلما أتاهم الخبر فرحوا به وخرجوا يستقبلونه، فلما حدث بذلك الوليد حسب أنهم جاؤوا لقتاله، فرجع قبل أن يدركوه وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم منعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، وبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله : إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أنه إنما رده كتاب جاء منك لغصب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب فقال : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية. أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وقال ابن كثير : وهذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية.
وقال الرازي : هذه الرواية ضعيفة لأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان لقوله : إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ( المنافقون : ٦ ) ا. هـ.
ثم بين أن صحبه كانوا يريدون أن يتبع رأيهم في الحوادث، ولو فعل ذلك لوقعوا في العنت والهلاك، ولكن الله حبب إلى بعضهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وهؤلاء أهل الرشاد والسالكون الطريق السوي.
الإيضاح : فضلا من الله ونعمة أي هذا العطاء الذي منحكموه تفضل منه عليكم وإنعام من لدنه.
والله عليم حكيم أي والله عليم بمن يستحق الهداية، ومن يستحق الغواية، حكيم في تدبير شؤون خلقه وصرفهم فيما شاء من قضائه.
والخلاصة : إن رسول الله بين أظهركم وهو أعلم بمصالحكم، لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم ووقوعكم في مهاوي الردى، ولكن بعضا منكم حبب إليهم الإيمان في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأولئك هم الذين أصابوا الحق، وسلكوا سبيل الرشاد.
تفسير المراغي
المراغي