ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

التثبت من الأخبار
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( ٦ ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( ٧ ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٨ )

تمهيد :

السورة كلها مشتملة على آداب اجتماعية نافعة، حيث بينت فيما سبق التزام خفض الصوت بحضرة الأكابر، والتزام الطاعة لله ورسوله، وعدم التقدم على أحكام الإسلام، وهنا إرشاد إلى أدب عظيم وهو التثبت من الأخبار عند سماعها، وعدم المسارعة إلى تصديقها، خشية إساءة الظن بالآخرين.

سبب النزول :

ذكر أكثر المفسرين أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط.
أخرج ابن جرير، وأحمد، وابن مردويه بسند جيد، عن ابن عباس، أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا ( أي : جامعا للصدقات، والمراد بها الزكوات ) وكانت بينهما إحن في الجاهلية، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع فقال : إن القوم هموا بقتلى، ومنعوا صدقاتهم، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت الآية.
والآية وإن نزلت بسبب حادث معين، إلا أنها عامة في وجوب التثبت من الأخبار.
قال الحسن البصري : فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة، فإنها لمرسلة إلى يوم القيامة، ما نسخها شيء.
وأكد الرازي ذلك، بأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بن عقبة بن أبي معيط شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان.
قال تعالى : وأما الذين فسقوا فمأواهم النار... ( السجدة : ٢٠ ).
( لكن أكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فاسقا بكذبه، والظاهر أنه سمى فاسقا تنفيرا وزجرا عن الاستعجال في الأمر من غير تثبت، فهو متأول ومجتهد، وليس فاسقا على الحقيقة ). ٦

وقال القرطبي :

وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها. اهـ.
٨- فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم .
لقد تفضل الله على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الحكيمة، وأنعم عليهم بهذه النعم، وهو عليم . مطلع على النفوس، حكيم . جليل الحكمة في أفعاله.
والآية وسام على صدر هؤلاء الصحابة، فهي وما سبقها تبين أن معظم الصحابة كانوا نموذجا ومثلا أعلى في محبة الإيمان والصدق فيه، والتضحية والفداء، وكراهة الكفر والفسوق والعصيان، وأن هذا الهدى والطاعة، كان فضلا من الله ونعمة، لا تعادلهما أي نعمة، وقد امتن الله على رسوله بأنه هو الذي هدى ووفق، وأخرج من أصلاب الكافرين هؤلاء المؤمنين.
قال تعالى : وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم . ( الأنفال : ٦٣ ).
في أعقاب التفسير :
ذكر الأستاذ وهبة الزحيلي في التفسير المنير ( جزء ٢٦ ص ٢٣٢ ) أنه يستنبط من الآيات السابقة ما يأتي :
١- إن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه ركن تثبت وأناة وتأن فيمنع التسرع في إصدار الأحكام، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه، لكان خطأ، ووقع في العنت ( الإثم والمشقة والهلاك ) من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم، لعداوة كانت بينه وبينهم، ويكون المراد من قوله تعالى : واعلموا أن فيكم رسول الله... ألا تكذبوا فإن الله تعالى يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أنباءكم فتفتضحون.
٢- استدلت الأشاعرة بقوله : حبب ، وكره . على مسألة خلق الأفعال، أي أن الله تعالى خلق أفعال العباد وذواتهم وصفاتهم وألسنتهم وألوانهم، لا شريك له، لقوله تعالى : والله خلقكم وما تعملون . ( الصافات : ٩٦ ). وهذا رد على القدرية٧، والإمامية، والمعتزلة الذين يقولون : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ويؤولون آية : حبب ، وكره . على اللطف والتوفيق.
٣- إن الله تعالى عليم بكل شيء، يعلم من يتحرى الخير ومن لا يتحراه، ومن يريد الرسول صلى الله عليه وسلم على ما لا تقتضي به الحكمة ومن لا يريده، وهو فوق هذا يعلم الأشياء ويعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بها، ويأمره بما تقضي به الحكمة، فيجب الوقوف عند أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتناب الاقتراح عليه.
٤- كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بمضمون الآيات السابقة، فقد أخرج الإمام أحمد، والنسائي، عن أبي رفاعة الزُّرقي، عن أبيه قال : لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( استووا حتى أثنى على ربي عز وجل )، فصاروا خلفه صفوفا، فقال صلى الله عليه وسلم :( اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك، وفضلك ورزقك، اللهم إني أسالك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم أسالك النعيم يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق )٨.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير