وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول من الحلال والحرام، قالوا حسبنا أي : يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا ، وهذا بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد، قال تعالى : أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون سبيلاً.
قال البيضاوي : الواو للحال، والهمزة دخلت عليها ؛ لإنكار الفعل على هذه الحال، أي : أحسَبُهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين ؟ والمعنى : أن الاقتداء إنما يصح لمن عُلِمَ أنه عالم مهتد، وذلك لا يعرف إلا بالحجة، فلا يكفي التقليد. ه.
الإشارة : قد نفى الله تعالى الخصوصية عن أربعة أنفس من أنفس المدعين، منها : نفس دخلت بحر الحقيقة بالعلم، وتبحرت في علمها دون الحال والذوق، وأهملت مراسم الشريعة حتى سقطت هيبتها من قلبها، فانسل منها الإيمان والإسلام انسلال الشعرة من العجين. ومنها نفس سائبة أهملت المجاهدة وانسابت في الغفلة، وأخذت الولاية بالوراثة من أسلافها، دعوى، أو ظهرت عليها خوارق، استدراجًا، مع إصرارها على كبائر العيوب، ومنها : نفس وصلت إلى الأولياء وصحبتهم، وخرجت عنهم قبل كمال التربية، وتصدرت للشيخوخة قبل إبانها، ومنها : نفس حمت ظهرها من التجريد، ووفرت جاهها مع العبيد، وادعت كمال التوحيد وأسرار التفريد، لمجرد مطالعة الأوراق، من غير صحبة أهل الأذواق، وهؤلاء بعداء من حيث يظنون القرب، مردودون من حيث يظنون القبول، والعياذ بالله من الدعوى وغلبة الهوى، فإذا قيل لهؤلاء : تعالوا إلى من يعرفكم بربكم، ويخرجكم من سجن نفوسكم، قالوا : نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا، فيقال لهم : أتتبعونهم ولو كانوا جاهلين بالله ؟.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي