ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ ( ١ ) وَلاَ سَآئِبَةٍ ( ٢ ) وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ( ٣ ) وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ( ١٠٣ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ( ١٠٤ ) ( ١٠٣ – ١٠٤ ).

تعليق على الآية :

مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ.................... الخ
والآية التالية لها وما فيهما من صور وتلقين

في الآيتين :

( ١ ) تقرير بأن الله تعالى لم يشرع شريعة البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ولم يأمر بالجري على تقاليدها.
( ٢ ) واستدراك بأن الذين يمارسون هذه الشريعة من الكفار إنما يفترون على الله الكذب حينما ينسبونها إليه وأكثرهم جاهل لا يدرك مدى ما يقول.
( ٣ ) وتنديد بعقولهم وتناقضهم : فهم من جهة يسخفون في نسبة هذه الشريعة إلى الله، ويدعون أنهم يسيرون عليها حسب أوامر الله بينما هم من جهة أخرى إذا بين لهم ما شرع الله ورسوله مما فيه المصلحة والفائدة، ودعوا إلى اتباعه أبوا، وقالوا إنه يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا.
( ٤ ) وتقريع لاذع بسبيل الرد عليهم بأسلوب سؤال عما إذا كان يصح في العقل أن يحتجوا بآبائهم، فيسيروا على ما كانوا عليه سيرا أعمى ولو كان آبائهم لا يعلمون شيئا، وليسوا من أمرهم على هدى.
ولقد ذكرنا في سياق تفسير الآيتين السابقتين أن الطبري روى أنهما نزلتا في صدد سؤال عن تقاليد البحيرة وأخواتها. وقد توقفنا في هذه الرواية. بسبب صيغتها. ولم نطلع على رواية أخرى كسبب لنزول الآيات التي نحن في صددها والتي نرجح أنها مستقلة عن ما سبقها، وأنها نزلت جوابا على استفسار أورده بعضهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه التقاليد وما كان يدعيه العرب من أن ذلك تقاليد دينية شرعها الله. فنزلت الآيات موضحة نافية أن يكون ذلك من شرع الله. ومقررة أن هذه الدعوى كذب وافتراء على الله. ومن المحتمل أن تكون الآيات نزلت عقب الآيات السابقة فوضعت بعدها وظن بعضهم أنها نزلت بسبب السؤال الذي ترويه الرواية. أو أن تكون وضعت بعدها للتماثل بينها وبن ما قبلها من حيث احتواء السياق أوامر وتحذيرات. والله تعالى أعلم.
وهناك حديث رواه الشيخان عن سعيد بن المسيب في شرح المقصود من عبارة الآية الأولى جاء فيه :( البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. والوصيلة هي الناقة البكر تبكر بأنثى ثم تثني بعد بأنثى ليس بينهما ذكر وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، والحامي هو فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضاه ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل ) ( ١ )١. وهذه التعريفات لا توضح مدى التقاليد والاصطلاحات الجاهلية توضيحا شافيا. وفي كتب التفسير بيانات أوسع فيها صور عديدة لذلك. غير أنها متغايرة وليس فيها ما يساعد على ترجيح صورة على أخرى. وقد أوردنا إحداها في سياق تفسير الآيات ( ١٣٦ – ١٤٠ ) من سورة الأنعام فنكتفي بذلك.
وروح الآيات تلهم أن العرب قبل الإسلام كانوا يعتقدون أن هذه التقاليد من أمر الله وشرعه. ويمارسونها ويحترمونها على هذا الاعتبار بسبيل شكر الله أو التقرب إليه لتحقيق مطالبهم ورغباتهم، وأنهم قد تلقوها كذلك عن آبائهم. وأنهم كانوا شديدي التعلق بتقاليد الآباء وتقديسها. وهذا مما تكرر تقريره أكثر من مرة في القرآن عنهم ؛ حيث يفيد ذلك أنهم كانوا يكررون الاحتجاج بتقاليد الآباء وقدسيتها واتصالها بالله عز وجل في كل مناسبة متجددة مماثلة.
هذا، ولقد أورد الطبري والبغوي في سياق الآيات حديثا روياه بطرقهما عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأكثم بن جون الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه به رجل منك ولا به منك. وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي، فقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه. فقال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله. فقال : لا إنك مؤمن وهو كافر ) وقد أورد ابن كثير هذا الحديث وأورد صيغا أخرى منها، عزا بعضها إلى البخاري وبعضها إلى الإمام أحمد، وبعضها إلى البزار. فلم نر ضرورة إلى إيرادها ؛ لأن حديث الطبري والبغوي أوفى. فإن صحت هذه الأحاديث فيكون فيها مشهد روحاني شهده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر به فيوقف عند ذلك وتستشف حكمته وهي الوعظ والإنذار وتوكيد متساوق مع توكيد الآيات بأن هذه التقاليد لا تمت إلى الله، وإنما هي خروج عن الفطرة السليمة وانحراف نحو الشرك والوثنية. والله تعالى أعلم.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير