المعنى الجملي : بعد أن نهى في الآية السابقة عن تحريم ما أحل الله بالنذر أو بالحلف باسم الله تنسكا وتعبدا مع اعتقاد إباحته في نفسه، وعن الاعتداء فيه، ونهى أن يكون المؤمن سببا لتحريم شيء لم يكن الله قد حرمه، أو شرع حكم لم يكن الله قد شرعه، بأن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء مما سكت الله عنه عفوا وفضلا.
ناسب بعد هذا أن يبين ضلال أهل الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم وما شرعوه لها بغير إذن من ربهم وما قلد فيه بعضهم بعضا على جهلهم، كما بين بطلان التقليد ومنافاته للعلم والدين.
الإيضاح : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أي وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من الأحكام المؤيدة بالحجج والبراهين، وإلى الرسول المبلغ لها والمبين لمجملها فاتبعوه فيها، أجابوا من يدعونهم إلى ذلك حسبنا وما وجدنا آباءنا يعملون به، ونحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة. فرد الله عليهم قولهم :
أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون أي أيكفيهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الشرائع ولا يهتدون سبيلا إلى المصالح، سواء أكانت دينية أم دنيوية، ولا يعرف ما يكفي الأفراد والأمم إلا بالعلم الصحيح الذي يميز به بين الحق والباطل، فأولئك قوم أميون يتخبطون في ظلمات من الوثنية وخرافات من معتقدات الجاهلية، فمن وأد للبنات إلى سلب ونهب وإغارات من بعضهم على بعض، ومن قتال تشتجر فيها الرماح، إلى عداوة وبغضا تملأ السهول والبطاح، ومن ظلم لليتامى والنساء إلى تفنن في الشعوذة وضروب السحر والكهانة.
ونحو الآية قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ البقرة : ١٧٠ ].
تفسير المراغي
المراغي