والمدقق للنظر في آيات القرآن يجدها تمثل برنامجا مطمئنا لحياة الإنسان على الأرض، وكأنها حاسب آلي يضبط إيقاع حركة الإنسان في الأرض بدقة تتفوق بكل المقاييس على دقة أي حاسب آلي من صنع البشر، ذلك المسمى ( كمبيوتر ). إن هناك ( كمبيوتر ) إلهيا يهدي الإنسان من أن يضل أو يضل، فالسماء تعدل للإنسان سلوكه إن ذهب بعيدا عن الصراط المستقيم. ولا يقولن إنسان : إنما أنا أتبع ما كان عليه آبائي. لأن الحق سبحانه وتعالى يقول :
وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون( ١٠٤ ) .
بل عل الإنسان إن يلتفت إلى أن أول تغيير لمنهج الله كان من أحد الآباء الذين أصابتهم الغفلة. وقول الإنسان : إنما أتبع ما كان عليه آبائي، هو قضية منقوضة ؛ لأن الذي غير أول تغيير لم يقل : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا لأنه لم يقلد أبا له، وأيضا فمن المحتمل أن الآباء لم يعقلوا ما غيروه من منهج الله ولم يهتدوا إلى الحق.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى :
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ( ١٧٠ ) ( سورة البقرة ).
إن الآية التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها : وإذا قيل لهم تعالوا لم يقل الله فيها اتبعوا ولكن قال :( تعالوا ) أي ارتفعوا كأنهم انحطوا وتسفلوا بقولهم : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا إنهم بذلك يرفضون وينكرون كل ما يأتي إليهم من غير طريق تقليد الآباء، فقد قفلوا الطريق وسدوه على أنفسهم.
أما آية سورة البقرة : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فيحتمل أن يقولوا : ونتبع كذلك ما جاء به الدين، فالنكير أشد على من قال : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا .
وعلى هذا فالاستدراك من الله في كل آية من الآيتين جاء مناسبا لحالهم. كيف ذلك ؟ لأن الذي لا يعقل يمكن أن يعلم عن طريق شخص آخر استخرج واستنبط واكتشف، فإنه إن فاته التعقل لم يفته أن يأخذ العلم من غيره، أما الذي لا يعلم فقد باء ورجع بالجهل ؛ لأنه لم يصل إلى العلم بنفسه، وكذلك لم يتعلم من غيره.
وجاء – سبحانه وتعالى – بهمزة الإنكار لمسألة إتباع الآباء دون منهج الله. ونلحظ أن الحق جاء بعملية الهداية كأمر مشترك في الآيتين، ذلك أن الهداية من السماء، أما التعقل والعلم فهما عمليتان إنسانيتان.
تفسير الشعراوي
الشعراوي